قراءة في احتمالات الصدام بين “قسد” وحلفائها والقوات الحكومية

سوريا من مواجهات داخلية

هل تقترب سوريا من مواجهة داخلية جديدة؟ قراءة في احتمالات الصدام بين “قسد” وحلفائها والقوات الحكومية

تتصاعد في الأوساط السياسية والإعلامية تساؤلات حول مدى إمكانية انزلاق المشهد السوري إلى مواجهة عسكرية جديدة، هذه المرة بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مدعومة بقوى محلية أخرى، وبين القوات الحكومية السورية، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد وتداخل المصالح الدولية.

ورغم غياب مؤشرات ميدانية حاسمة على قرب اندلاع حرب شاملة، فإن جملة من العوامل السياسية والعسكرية تجعل هذا السيناريو مطروحًا – ولو على المدى المتوسط – كاحتمال غير مستبعد.

خريطة القوى على الأرض

تسيطر “قسد” على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا، تشمل مناطق غنية بالموارد النفطية والزراعية، وتحظى بدعم عسكري وسياسي من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. وتمتلك هذه القوات بنية تنظيمية متماسكة وخبرة قتالية تراكمت خلال سنوات الحرب ضد تنظيم “داعش”.

في المقابل، تحافظ القوات الحكومية السورية على انتشارها في المدن الكبرى والمناطق الاستراتيجية، مدعومة بغطاء روسي وإيراني، وتسعى منذ سنوات إلى استعادة السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية، سواء عبر التسويات أو الضغط العسكري.

أما الحديث عن انخراط قوى درزية في أي مواجهة محتملة، فيبقى حتى الآن في إطار التكهنات السياسية أكثر منه واقعًا عسكريًا. فالمناطق ذات الغالبية الدرزية، لا سيما في السويداء، تشهد حالة توتر مع دمشق، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الانخراط في تحالفات عسكرية مفتوحة، مفضّلة الحفاظ على طابعها المحلي الدفاعي.

هل الحرب ممكنة؟

الاحتمال العسكري قائم نظريًا، لكنه يصطدم بجملة من العوائق. فـ”قسد” تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع الجيش السوري قد تفتح الباب لتدخلات إقليمية غير محسوبة، وقد تفقدها الغطاء الدولي الذي يشكل عنصر توازن أساسي في بقائها.

من جهة أخرى، تبدو دمشق غير راغبة في فتح جبهة واسعة في الشمال الشرقي، في وقت تعاني فيه من ضغوط اقتصادية خانقة، وتوازنات دقيقة مع موسكو وطهران، إضافة إلى حسابات مع أنقرة وواشنطن.

لذلك، يرجّح مراقبون أن يبقى الصراع – إن وقع – في إطار اشتباكات محدودة أو ضغوط أمنية متبادلة، لا حرب شاملة مفتوحة.

إسرائيل… تدخل مباشر أم استثمار غير مباشر؟

في حال تطور الصراع، يبرز سؤال محوري حول الدور الإسرائيلي. تاريخيًا، تركز إسرائيل على استهداف الوجود الإيراني والبنى العسكرية التابعة له داخل سوريا، دون الانخراط في النزاعات الداخلية بشكل مباشر.

ويرى محللون أن إسرائيل قد تستفيد سياسيًا وأمنيًا من إضعاف القوات الحكومية السورية وحلفائها، لكنها على الأرجح ستفضّل البقاء في مربع الضربات الجوية المحدودة، لا الدخول في مواجهة علنية دعماً لطرف سوري بعينه، لما يحمله ذلك من مخاطر إقليمية واسعة.

بعبارة أخرى، التدخل الإسرائيلي – إن حصل – سيكون غير مباشر، محسوبًا، ومحصورًا في إطار “منع التهديد”، لا تغيير موازين الصراع الداخلي.

مواقف دول الإقليم

تركيا تراقب أي تحرك لـ”قسد” بعين القلق، وتعتبرها تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ما يجعلها أقرب إلى معارضة أي توسع أو تحالف يعزز موقع هذه القوات.

إيران ستقف، على الأرجح، إلى جانب دمشق، معتبرة أي صدام مع “قسد” جزءًا من صراعها الأوسع مع النفوذ الأمريكي في المنطقة.

أما الدول العربية، فتتوزع مواقفها بين الحذر والدعوة إلى الاستقرار، مع ميل عام إلى تجنب أي تصعيد يعيد خلط الأوراق ويقوض مسارات إعادة سوريا إلى محيطها العربي.

خلاصة المشهد

حتى اللحظة، تبدو الحرب الشاملة بين “قسد” وحلفائها من جهة، والقوات الحكومية السورية من جهة أخرى، سيناريو ممكنًا نظريًا لكنه غير مرجّح عمليًا في المدى القريب. فميزان المصالح الإقليمية والدولية، وتكلفة الصدام المفتوح، يدفعان الأطراف كافة إلى سياسة “إدارة التوتر” بدل تفجيره.

غير أن استمرار الاحتقان، وغياب تسوية سياسية شاملة، يبقيان الباب مواربًا أمام مفاجآت قد تعيد إشعال الصراع في أي لحظة، في بلد لم يغادر بعد مربع الأزمات.

كلمات مفتاحية: