حين تدفع الأقليات في أوروبا فاتورة الإخفاقات السياسية

تصاعد خطاب الإقصاء والتمييز الممنهج بحق المسلمين

في كل مرة تتعثر فيها الحكومات الأوروبية في إدارة ملف اقتصادي أو اجتماعي أو أمني، تعود الأقليات لتقف في دائرة الاتهام. من الهجرة والبطالة إلى الأمن والهوية، تُستحضر الأقليات – وعلى رأسها المسلمون والمهاجرون واللاجئون – بوصفهم “المشكلة”، لا باعتبارهم جزءًا من المجتمع، بل كعبء يُحمَّل مسؤولية إخفاقات سياسات عامة لم يكونوا صُنّاعها.

هذا النمط لم يعد انطباعًا إعلاميًا، بل تؤكده تقارير رسمية صادرة عن مؤسسات أوروبية ودولية توثق تصاعد خطاب الإقصاء، والتمييز الممنهج، وتحويل الفشل الحكومي إلى صراع هوياتي مما أدي الي:

تصاعد القلق مع تنامي العداء للمسلمين

استمر تصاعد المشاعر المعادية للمسلمين. فخلال العام الماضي، ووفقًا لـ «المؤسسة البريطانية للمسلمين  (the British Muslim Trust)»، استُهدفت 27 مسجدًا بين تموز/يوليو وتشرين الأول/أكتوبر وحدهما. نساء يرتدين الحجاب أبلغن عن تعرضهن للمضايقة. وبعض المسلمين يفكرون بصمت في تغيير أسمائهم عند التقدم للوظائف.

كما تواجه مجتمعات أقليات أخرى بدورها عداءً متزايدًا في مناخ مستقطَب. وتتراكم هذه التجارب لتُنتج همهمة قلق دائمة، مُرهِقة للعيش، ومُقوِّضة للثقة.

ينمو الشك حين توجد ضغوط اقتصادية، وسكن رديء، وخدمات مثقلة، وسياسة تكافئ التبسيط. وفي الغالب يجد المسلمون البريطانيون أنفسهم يحملون عبء إخفاقات أوسع. أحيانًا يُساءَلون لأنهم يتحدثون عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي في الخارج، ويشمل ذلك ما يحدث في غزة، وأحيانًا أخرى يُلامون على جرائم ارتكبها أفراد يشتركون معهم في العِرق أو الدين.

الاقتصاد المتعثر والبحث عن كبش فداء

تشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة – منذ أزمة 2008، مرورًا بجائحة كورونا، وصولًا إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا – أدت إلى ارتفاع معدلات البطالة والتضخم في عدد من الدول الأوروبية.
بدل أن يُناقش الفشل في السياسات الضريبية أو إدارة سوق العمل، اتجه الخطاب السياسي في بعض الدول إلى ربط الضغوط الاقتصادية بالهجرة.

تقرير الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية يؤكد أن الأقليات العرقية والدينية تتعرض للتمييز في التوظيف والسكن والخدمات الاجتماعية، رغم أن معدلات مشاركتها الاقتصادية غالبًا أقل بسبب العوائق القانونية والهيكلية، لا بسبب “العبء” المزعوم الذي يروَّج له سياسيًا.

الأمن والإرهاب… التعميم بدل المحاسبة

بعد كل حادث أمني، تعود لغة الاشتباه الجماعي. فبدل التركيز على التقصير في السياسات الأمنية أو فشل برامج الاندماج، تُختزل المشكلة في خلفية دينية أو عرقية.

منظمة العفو الدولية وثّقت في تقاريرها السنوية أن قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب في عدة دول أوروبية استُخدمت بشكل غير متناسب ضد أقليات بعينها، ما أدى إلى مداهمات، ومراقبة جماعية، وقيود على الحريات الدينية، دون أدلة كافية على فعاليتها الأمنية.

النتيجة، بحسب خبراء، ليست تعزيز الأمن، بل تعميق العزلة، وتغذية مشاعر الظلم التي تقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع.

فشل الاندماج أم فشل السياسات؟

تتحدث الحكومات كثيرًا عن “فشل الأقليات في الاندماج”، لكن تقارير مجلس أوروبا تشير إلى أن السياسات العامة نفسها غالبًا ما تضع حواجز أمام هذا الاندماج، عبر قوانين تمييزية، أو مناهج تعليمية إقصائية، أو خطاب رسمي يُشكك في الانتماء الوطني للأقليات.

دراسة صادرة عن المفوضية الأوروبية توضح أن أبناء الأقليات المولودين في أوروبا يواجهون معدلات أعلى من التمييز مقارنة بالمهاجرين الجدد، ما ينفي الادعاء بأن المشكلة “زمنية” أو مرتبطة بالجيل الأول فقط.

صعود الأيديولوجيات الشعبوية

مع تراجع الثقة في النخب السياسية التقليدية، صعدت أحزاب يمينية متطرفة جعلت من الأقليات محورًا لبرامجها الانتخابية.
تقرير “هيومن رايتس ووتش” يؤكد أن هذا الخطاب لا يكتفي بالتعبئة السياسية، بل ينعكس مباشرة في السياسات العامة، من تشديد قوانين اللجوء إلى تقييد الحريات الدينية وحرية التعبير.

الأقليات هنا لا تدفع فقط ثمن الفشل الاقتصادي أو الأمني، بل ثمن صراع أيديولوجي يسعى لإعادة تعريف “الهوية الأوروبية” على أسس إقصائية.

أزمة حكم لا أزمة تنوع

تشير الأدلة مجتمعة إلى أن ما تواجهه أوروبا ليس أزمة أقليات، بل أزمة سياسات. تحميل الفئات الأضعف مسؤولية إخفاقات بنيوية قد يحقق مكاسب سياسية قصيرة المدى، لكنه يهدد التماسك الاجتماعي على المدى الطويل.

تحذر تقارير الأمم المتحدة من أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى تعميق الاستقطاب، وتآكل الثقة في المؤسسات الديمقراطية، وتحويل أوروبا من فضاء للتعدد والحقوق إلى ساحة صراع هوياتي مفتوح.

في النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: إلى متى ستظل الأقليات تدفع فاتورة لم تُشارك في صياغتها، ولا في اتخاذ قراراتها؟

المصادر والتوثيق:

الوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية (FRA) – تقارير التمييز والاندماج.

منظمة العفو الدولية – التقارير السنوية حول أوروبا.

هيومن رايتس ووتش – تقارير صعود الشعبوية والحقوق المدنية.

مجلس أوروبا – دراسات الاندماج والحقوق الاجتماعية.

المفوضية الأوروبية – بيانات سوق العمل والهجرة.

مستفاد من الذكاء الاصطناعي أيضا