تطهير صامت بحق المسلمين في الهند
تزايد عمليات التغيير الديمغرافي والتهجير القسري
- السيد التيجاني
- 11 يناير، 2026
- أخبار الأمة الإسلامية, تقارير
- الاحتلال الهندي, المسلمين, المسلمين في الهند, كشمير المحتلة, هيمنة ديموغرافية للأغلبية الهندوسية, ولاية اوتار براديش
تشهد مناطق عدة في الهند، خصوصًا في ولايات مثل أوتار براديش وكشمير، تصاعدًا ملحوظًا في محاولات التغيير الديمغرافي والتهجير القسري للمسلمين والأقليات الأخرى، عبر أدوات متعددة تشمل التهديد المباشر، المنشورات المجهولة، الضغط الاقتصادي، والملاحقة القانونية والسياسية.
تسعى هذه السياسات إلى تفكيك النسيج الاجتماعي التاريخي وإحداث هيمنة ديموغرافية للأغلبية الهندوسية، مستغلة ضعف الرقابة وتباطؤ السلطات في تطبيق القانون.
ويؤكد المراقبون أن استمرار الصمت الرسمي يشجع الانتهاكات ويحولها إلى استراتيجية ممنهجة، تهدف إلى خلق واقع جديد يُفرض بالقوة بدل الحوار، بما يهدد التعايش المجتمعي واستقرار المنطقة على المدى الطويل.
شهدت قرية بهونخيرا بمنطقة سيكندر آباد في ولاية أوتار براديش التي يحكمها حزب بهاراتيا جاناتا حالة من الهلع مع بداية العام الجديد، بعدما وُزِّع منشور تهديدي يستهدف العائلات المسلمة في القرية بشكل مباشر، مطالبًا إياهم بإخلاء منازلهم خلال 24 ساعة وإلا سيواجهون الموت حرقًا.
المنشور، المكتوب باللغة الهندية، حمل اسم “كاتار ساناتاني فيكرام” في أسفله، وشمل شعارات دينية هندوسية مثل “جاي شري رام” و”هار هار ماهاديف”، في إشارة إلى طابع التطرف الديني الذي يعتري بعض الجماعات في المنطقة.
جاء في نص المنشور: “على جميع سكان قرية كاثمولا [مصطلح ازدرائي للمسلمين] إخلاء القرية خلال 24 ساعة، وإلا سيتم حرقكم أحياءً”، وفق ما نقلت خدمة إعلام كشمير (KMS).
ساجد علي، أحد سكان القرية، اكتشف المنشور صباح يوم الأول من يناير أثناء توجهه لأداء صلاة الفجر في المسجد، وقال:”لقد صُدمت. لم أستطع التقدم، وبينما كنت واقفًا هناك، بدأ الناس من المنازل المجاورة بالخروج، وهم جميعًا مصدومون ويتساءلون من فعل ذلك. كان شعور الرعب ينتشر بيننا كالنار في الهشيم.”
رغم هذا الجو المخيف، لم يغادر أي من السكان منازلهم، إذ بقي معظمهم تحت تأثير الخوف الشديد، وأوضحوا أن هذا التهديد حول الحياة اليومية للقرية الهادئة إلى حالة تأهب قصوى.
السياق الاجتماعي والديموغرافي
تضم قرية بهونخيرا نحو 15 عائلة مسلمة، جميعها مرتبطة بروابط قرابة قوية، وتعيش جنبًا إلى جنب مع عدد أكبر من السكان الهندوس.
ويؤكد السكان أن الطائفتين تعايشتا بسلام لأكثر من ستة أجيال. ومع ذلك، فإن هذا المنشور المجهول أحدث تغييرًا ملموسًا في الروتين اليومي، حيث أصبح الخوف جزءًا من حياة الجميع.
المحامي المحلي محمد حنيف، الذي يقدم الدعم القانوني للسكان، وصف الحادثة بأنها تهديد مباشر وخطير، يهدف إلى تقويض عقود من الوئام المجتمعي في المنطقة:
“هذا التهديد ليس مجرد رسالة نصية، بل هو محاولة واضحة لإدخال الرعب في نفوس السكان المسالمين، وإحداث شقاق بين الجيران الذين عاشوا معًا لعقود.”
هاجرة، امرأة مسلمة تبلغ من العمر 65 عامًا وتعمل طاهية في مدرسة ابتدائية حكومية بالقرية، قالت إن حياتها اليومية تغيرت بشكل كامل منذ ظهور المنشور:
“أذهب إلى المدرسة كل يوم لأطهو الطعام للأطفال، ولكن قلبي يخفق بشدة منذ ظهور هذا التحذير، وأنهي عملي بسرعة لأعود إلى المنزل. نحن خائفون. ماذا لو تحقق هذا التحذير يومًا ما؟”
وأضافت أن أحد أفراد العائلة يظل مستيقظًا طوال الليل للمراقبة، بينما يحاول الآخرون النوم، مؤكدين أن الخوف أصبح جزءًا من روتينهم اليومي.
ردود السلطات
رغم تسجيل البلاغات الرسمية، يقول السكان إنهم لم يتلقوا أي معلومات عن تقدم التحقيق حتى الآن. وأوضح مفتش مركز شرطة سيكندر آباد:
“قد يكون هذا العمل من فعل مُخربين. نحن نحاول تحديد هوية المسؤولين عنه، ونسيّر دوريات يومية لتجنب أي حادث مؤسف. الوضع تحت السيطرة نسبيًا.”
إلا أن السكان يرون أن الإجراءات غير كافية، ويخشى البعض أن يؤدي تقاعس السلطات إلى تصعيد الأمور، معربين عن تصميمهم على البقاء في منازل أجدادهم رغم التهديدات. أحد السكان قال:
“لن نغادر، ولكن بالنظر إلى الأحداث الجارية هذه الأيام وتقاعس الشرطة، نشعر بأن أي شيء وارد الحدوث.”
النمط الأوسع للتهديدات ضد المسلمين
هذه الحادثة ليست معزولة، بل تتماشى مع نمط متزايد من المنشورات المجهولة والتهديدات والدعوات للمقاطعة التي تستهدف المسلمين في أجزاء مختلفة من ولاية أوتار براديش. في أغسطس 2025،
وثقت كشمير للخدمات الإعلامية حادثة شاب مسلم يكافح للبقاء على قيد الحياة بعد هجوم شنه حشد هندوسي متطرف. وفي نوفمبر 2025، أُجبر مسلمو أروناشال على ترديد شعارات هندوسية مثل “بهارات ماتا كي جاي”، ما يعكس تصاعد خطاب الكراهية ضد الأقليات في بعض المناطق.
الخبير في الشؤون الهندية ديميتري بريجع من المجلس الأطلسي أشار إلى أن مثل هذه الأحداث تعكس حالة من “تآكل النسيج الاجتماعي” الذي كان قائمًا منذ عقود، وأضاف:
“ما نراه اليوم ليس مجرد تهديد فردي، بل جزء من استراتيجية أوسع لإشاعة الخوف والضغط على الأقليات. الصمت أو التأخير في التحرك من قبل السلطات يزيد الوضع سوءًا.”
التأثير النفسي والاجتماعي
الأثر النفسي على السكان لا يقتصر على الخوف من التهديد المباشر، بل يشمل اضطراب الروتين اليومي، وتوتر العلاقات المجتمعية، والشعور بعدم الأمان المستمر. تقول هاجرة:
“حتى أثناء الطهي في المدرسة، يظل الخوف حاضرًا، أشعر وكأن كل خطوة مراقبة، وكأن أي لحظة يمكن أن تتحول إلى كارثة.”
المحلل الاجتماعي الدكتور أحمد سيد أحمد أوضح أن هذا النوع من التهديدات يعكس تحولًا في الديناميكيات الاجتماعية:
“التهديدات المجهولة تزرع الخوف بطريقة مستدامة، وتؤثر على جميع جوانب الحياة، من العمل والتعليم إلى النوم والأمان الشخصي. وهو ما يخلق بيئة من الانعزال والقلق المستمر.”
بينما تحاول السلطات المحلية احتواء الوضع، يظل السكان يعيشون في حالة من الرعب واليقظة المستمرة، مصممين على البقاء في ديار أجدادهم رغم المخاطر. الحادثة تعكس تصاعدًا للخطاب الطائفي في بعض مناطق الهند، وإهمالًا لإجراءات الحماية التي يمكن أن تمنع تكرار مثل هذه التهديدات.
كما توضح هذه الحالة هشاشة النظام الأمني والاجتماعي أمام الجماعات المتطرفة، وأهمية تدخل السلطات بسرعة وفعالية لتأمين حياة المواطنين وحماية النسيج المجتمعي، قبل أن تتحول تهديدات مثل هذه إلى أعمال عنف فعلية.