فنزويلا وتايوان ولعبة الحصار

بقلم: السيد التيجاني

لو تأملنا قليلًا في المشهد الملتهب في فنزويلا، سنجد أنفسنا أمام سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه معقد في جوهره: ماذا يريد دونالد ترامب من حصار فنزويلا وخنقها اقتصاديًا؟

هذا السؤال لم يعد حكرًا على المحللين السياسيين، بل بات يتردد على ألسنة الناس العاديين الذين يرون آثار الحصار تتجاوز حدود فنزويلا لتطال توازنات دولية أوسع.

كثير من الآراء الشائعة تذهب مباشرة إلى النفط. يقولون إن النفط هو الهدف، وإن الولايات المتحدة، كعادتها، لا تتحرك إلا حين ترى ثروة طبيعية مغرية. لا أنكر أن النفط عنصر مهم في المعادلة، لكنه في نظري ليس الهدف الحقيقي ولا النهائي. أشعر أن النفط هنا مجرد أداة، أو ورقة ضغط ضمن لعبة أكبر وأخطر.

أنا أرى أن ترامب، في جوهر استراتيجيته، لم يكن يخنق فنزويلا فقط، بل كان يضغط على الصين من بوابة فنزويلا. فالصين ليست مجرد شريك تجاري لكاراكاس، بل هي دائن ضخم. لقد دفعت بكين ما يقارب 60 مليار دولار لفنزويلا مقابل النفط، في وقت تشير فيه التقديرات إلى احتياطي نفطي هائل يتجاوز مئات المليارات. هذه الأرقام وحدها كافية لتوضيح حجم التشابك بين الطرفين.

حين فرض ترامب العقوبات، لم يكن تأثيرها محصورًا في الاقتصاد الفنزويلي المنهك أصلًا، بل امتد ليضرب المصالح الصينية مباشرة. النفط الذي كان يُفترض أن يتجه إلى الصين بات محاصرًا، وحاملات النفط صودرت أو مُنعت أو عُطلت. هنا، في هذه النقطة تحديدًا، بدأت أرى الصورة بشكل مختلف.

في رأيي، ترامب لم يكن يتعامل مع فنزويلا كدولة مستقلة فقط، بل كحلقة ضعيفة في سلسلة صينية طويلة. خنق فنزويلا يعني تعكير تدفق الطاقة إلى الصين، وإرباك حساباتها الاستراتيجية، وإجبارها على الرد في ساحات أخرى. وكما هو معروف، حين تُضغط القوى الكبرى في مكان ما، فإنها تبحث عن متنفس في مكان آخر.

هنا يظهر اسم تايوان. تايوان، هذه الجزيرة الصغيرة، ليست مجرد ملف سياسي عالق منذ عقود، بل هي قلب نابض للتكنولوجيا العالمية، وخاصة في صناعة أشباه الموصلات. الصين تعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، ولن تتخلى عنها مهما طال الزمن. ترامب يعرف هذا جيدًا، وربما أكثر مما نتصور.

من وجهة نظري، العلاقة بين حصار فنزويلا والتوتر حول تايوان ليست مصادفة. حين ضيّق ترامب الخناق على الصين عبر فنزويلا، كان يدفعها – بشكل غير مباشر – إلى تشديد الضغط على تايوان. تصعيد مقابل تصعيد، وضغط مقابل ضغط. وكأن الرسالة تقول: إذا أردتم النفط والاستقرار في أميركا اللاتينية، فاستعدوا لمواجهة أكبر في شرق آسيا.

لكن لماذا تايوان تحديدًا؟ لأن تايوان ليست فقط نقطة خلاف سيادي، بل كنز تكنولوجي عالمي. مصانعها الفريدة، التي تنتج الشرائح الإلكترونية الأكثر تقدمًا في العالم، هي عصب الاقتصاد الرقمي الحديث. ترامب، الذي كان يرفع شعار “أميركا أولًا”، كان يدرك أن نقل هذه الصناعات إلى الولايات المتحدة سيمنحها تفوقًا استراتيجيًا لعقود.

أعتقد أن ترامب راهن على سيناريو واضح في ذهنه: زيادة الضغط الصيني على تايوان ستخلق حالة من عدم الاستقرار والخوف داخل الجزيرة. هذا الخوف قد يدفع الشركات التايوانية العملاقة إلى البحث عن ملاذ آمن، ولا يوجد في نظره ملاذ أفضل من الولايات المتحدة. وبهذا، تتحقق الغاية: التكنولوجيا تنتقل، والاستثمار يتحول، وأميركا تربح.

في هذا السياق، تصبح فنزويلا مجرد قطعة شطرنج. دولة تُحاصر، وشعب يعاني، واقتصاد ينهار، وكل ذلك ليس فقط بسبب نفطها، بل بسبب موقعها في صراع عمالقة. هذا ما يجعل المشهد أكثر قسوة، وأكثر تعقيدًا من مجرد عقوبات على نظام سياسي.

ما يلفت انتباهي هو أن هذه الاستراتيجية، إن صحت، تكشف عن نمط تفكير براغماتي إلى حد القسوة. لا مكان للأخلاق هنا، ولا اعتبار لمعاناة الشعوب. كل شيء يُقاس بميزان القوة والمصلحة. فنزويلا تُخنق، الصين تُستفز، تايوان تُرهب، والهدف النهائي هو إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والتكنولوجية العالمية.

أنا لا أزعم أن هذه القراءة هي الحقيقة المطلقة، لكنها قراءة تنطلق من ربط الأحداث ببعضها، بدل النظر إليها كملفات منفصلة. في عالم اليوم، لا شيء يحدث بمعزل عن الآخر. النفط في أميركا اللاتينية، والتكنولوجيا في شرق آسيا، والسياسة في واشنطن، كلها خيوط في نسيج واحد.

في النهاية، ما أراه هو أن حصار فنزويلا لم يكن مجرد عقاب لنظام، بل رسالة للصين، وضغطًا غير مباشر على تايوان. وربما، حين ننظر إلى المستقبل، سنكتشف أن ما جرى في فنزويلا كان فصلًا مبكرًا في صراع أكبر على قيادة العالم في القرن الحادي والعشرين.