الإنسان بين السموِّ والتسفُّل
د. إبراهيم التركاوي يكتب
- dr-naga
- 25 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الإنسان, التسفُّل, السموِّ
لقد أنعم الله على الإنسان فخلقه وسوَّاه، وجعل العزة والكرامة متأصلتين في عنصره الأساسي: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [ص:72-73]. كما تفضَّل عليه فصوَّره في أحسن صورة: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [غافر:64]، {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ} [الجاثية:13].
بهذا التكريم الإلهي؛ يشعر الإنسان بإنسانيته، ويحقّق كرامته، ويدرك قيمته، ويعرف أنه أكبر من المال، بل من الدنيا بأسرها؛ فلا يدع للرغائب السافلة مجالًا تتغلب فيه على أهدافه السامية.
ولا عجب أنْ رأينا الصحابي المهاجر – في سبيل أهدافه السامية – يترك وراءه أموالًا وبيوتًا ونساءً وأطفالًا وشيوخًا ومتاعًا كثيرًا!
لمَّا أراد (صُهيب) الهجرةَ قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا؛ فكثُر مالُك عندنا، وبلغتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالِك ونفسك! والله لا يكون ذلك. فقال لهم صُهيب: أرأيتم إنْ جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم. قال: فإني قد جعلت لكم مالي. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «ربح صُهيب»! [حديث صحيح، ذكره ابن هشام في السيرة].
ألا ما أعظمه من بَيْع، وما أغلاه من رِبح؛ عندما يربح الإنسان نفسه ويدرك قيمتها!
وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة:207].
وعندما يجهل الإنسان حقيقة نفسه المُكرَّمة، ولا يدرك قيمتها، يهبط بها من الأفق السامي إلى الخلود للأرض والالتصاق بالطين، ومن مكان الإنسان إلى مكان الحيوان، ومن الخَلْق في أحسن تقويم، إلى التردي في أسفل سافلين!!
ألا ما أعظم البون بين مَن ربح نفسه وأدرك قيمتها؛ وبين مَن خسر نفسه وهبط بها، بعد أن خلع الله عليه من فضله، وكساه من علمه، ومنحه الفرصة للسمو والرفعة.
وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف:175-176].
فحريٌّ بالإنسان الذي أنعم عليه ربه وأعزَّه وأكرمه، أن يشعر بذاته، ويغالي بقيمته، وأن يحيا في سبيل سموه الإنساني، وقيمه السامية، وإنسانيته الراقية؛ فلا يورد نفسه إلا الموارد التي تليق بها، وألا يغمط نفسه حقها، ويضعها في مواضع أدنى مما تستحق أن يضعها.
ولله درّ مَن قال:
يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما ** رأوْا رجلاً عن موقفِ الذلِّ أحجما
أرى الناسَ مَن داناهُمُ هانَ عندهم ** ومَن أكرَمته عزةُ النفسِ أُكرِما!
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية