التطبيع الرقمي وتحوّلات الوعي في الفضاء العربي

أحمد الجندي يكتب

لم يعد التطبيع مقصوراً على الاتفاقات السياسية المُعلَنة أو الأطر الدبلوماسية الرسمية، بل انتقل في السنوات الماضية إلى فضاءٍ أكثر سيولةً ونفوذاً، الفضاء الرقمي، حيث تُعاد صياغة العلاقات عبر التفاعل اليومي في وسائل التواصل الاجتماعي، والمحتوى المتداول، والخوارزميات غير المرئية. وقد بات هذا النمط من التطبيع، ويُطلق عليه “التطبيع الرقمي”، أحد أخطر أشكال التطبيع؛ لأنه لا يعمل عبر قراراتٍ سياديةٍ أو لقاءاتٍ علنية، بل عبر تآكل بطيء للوعي الجمعي، وتحويل العلاقة مع إسرائيل من مسألة صراعٍ مع مشروع استيطاني استعماري إلى حالة تواصل اعتيادية، أو تصنيفها أنّها مجرّد “خلاف في السردية”. ويقصد بالتطبيع الرقمي هنا جملة الممارسات الاتصالية التي تُنتج حالةً من الاعتياد على الحضور الإسرائيلي في الفضاء الرقمي العربي، سواء عبر حساباتٍ رسميةٍ ناطقة بالعربية، أو من خلال تفاعلاتٍ غير رسمية بين أفراد، أو عبر محتوى ثقافي وسياحي وترفيهي وتعليمي يفصل إسرائيل عن سياقها الاحتلالي. وفي هذا المعنى، لا يقتصر الخطر على مضمون الخطاب، بل يمتد إلى بنية الوعي نفسها، وتحويل الثوابت العربية تجاه الاحتلال إلى مسائل قابلة للنقاش.
وتفيد دراسات نُشرت نتائجها عبر موقع Intelligent CIO في إبريل/ نيسان 2025 بأن عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم العربي بلغ نحو 228 مليوناً من إجمالي 496 مليون نسمة (هم عدد سكّان العالم العربي)، أي ما نسبته 46%. ووفقاً للمعطيات، تتصدّر مصر الدول العربية من حيث عدد المستخدمين بنحو 50.7 مليون مستخدم، يليها العراق بـ34.3 مليوناً، ثم السعودية بـ34.1 مليوناً، فالجزائر بـ25.6 مليوناً، فالمغرب بـ21.3 مليوناً، ثم الإمارات بـ11.3 مليون مستخدم. وتكتسب هذه الأرقام دلالة إضافية إذا ما أُخذ في الاعتبار أن فئة الشباب دون سن 35 عاماً تشكّل نحو 62.8% من سكّان العالم العربي، وأن هذه الفئة هي الأكثر استخداماً لوسائل التواصل الاجتماعي، وأن هذه الوسائل أصبحت المصدر الرئيس للأخبار والمعلومات لما يقارب 61% من هؤلاء الشباب.
لا تكشف هذه الإحصاءات حجم الاستخدام فقط، بل تكشف أيضاً تحوّلاً نوعياً في بنية تلقّي المعرفة وتشكّل الرأي العام. فالفضاء الرقمي، بحكم طبيعته المفتوحة وغير المنظّمة، يضع ملايين المستخدمين في حالة تعرّض دائم لمؤثّرات متباينة ومتضاربة، في ظلّ صعوبة السيطرة على العقول والأفكار رغم سعي الأنظمة إلى التحكّم في اتجاهات الرأي في وسائل التواصل المختلفة، علاوة على تحرّك هذه الملايين منفردةً ومن دون أطر تفسيرية أو أدوات نقدية كافية.

لم يعد التطبيع محصوراً في الاتفاقات السياسية، بل انتقل إلى الفضاء الرقمي حيث تُعاد صياغة العلاقات عبر التفاعل اليومي والخوارزميات

في هذا السياق تحديداً، تنبّهت إسرائيل مبكّراً إلى إمكانية إحداث اختراقاتٍ في مسألة التطبيع لم تنجح في تحقيقها عبر القنوات التقليدية، فأنشأت عشرات الصفحات والحسابات باللغة العربية على مختلف المنصّات، مثل “إسرائيل تتكلّم بالعربية”، و”إسرائيل باللهجة العراقية”، و”الصفحة العربية للمتحدّث باسم الجيش الإسرائيلي”، و”أفيخاي أدرعي”، و”أخبار الجيش الإسرائيلي بالعربية”، و”i24NEWS Arabic بالعربية”، و”تايمز أوف إسرائيل بالعربية”… إضافةً إلى صفحات سفاراتها في الدول العربية، أو صفحات مؤسّسات وأفراد.
تنبع خطورة هذا النمط من التطبيع من أنه ينشئ علاقةً طبيعيةً أو شبه طبيعية مع إسرائيل داخل الفضاء الرقمي العربي عبر هذه الحسابات الرسمية، أو من خلال تفاعلات فردية تبدو في ظاهرها عفوية. ويجري ذلك بطرح محتوىً ثقافيٍّ وسياحيٍّ وفنّي وتعليمي يفتح باب النقاش من أجل الوصول إلى ما يسمّيه الإسرائيليون “قواسم مشتركة”، مع تعمّد منهجي لتغييب فكرة الاحتلال، وتجاهل الاعتداءات العسكرية وجرائم المستوطنين، أو التعامل معها بوصفها أحداثاً عابرةً لا تمسّ جوهر العلاقة.
ومن اللافت أن غلبة التفاعلات العربية السلبية مع هذه الصفحات لا تُعدُّ، من المنظور الإسرائيلي، مؤشّر فشل. إذ توضح تقارير ودراسات عديدة أن الاتصال المتكرّر، حتى لو كان صدامياً، يسهم في كسر الحاجز النفسي وتطبيع فعل التواصل نفسه. وقد خلصت دراسة بعنوان “الخطاب المتداول للمغرّدين العرب حول التطبيع”، للباحث العراقي علي مولود فاضل، التي اعتمدت على تحليل أكثر من 8 آلاف و600 تغريدة عربية خلال الأسابيع التي تلت توقيع اتفاقات أبراهام، إلى أن التطبيع الرقمي يُنتج عبر دائرتَيْن من التفاعل: الرفض الصريح والقبول المباشر، وكلاهما يسهم في كسر القطيعة النفسية. وفي السياق نفسه، أظهرت دراسة تحليلية أجراها الباحثان الإسرائيليان موتي زويلينغ وجادي هيتمان عام 2021، اعتمدت على عينة من حسابات قادة الرأي في دول الخليج والتفاعل الجماهيري معها، أن نحو 80% من الخطاب كان رافضاً للتطبيع، في مقابل أكثر من 20% تضمّن تشجيعاً عليه، مع تفاوت واضح بين الدول. كما كشفت دراسات أخرى (بعضها أُنجز عقب توقيع اتفاق التطبيع بين الإمارات وإسرائيل) حضوراً ملحوظاً لمشاعر إيجابية حول التطبيع لدى قطاعات كبيرة من المُستخدِمين، في مقابل استمرار الرفض الواسع شعبياً. وعلى النقيض، نبّهت دراسة للباحث الإسرائيلي آدم هوفمان (سبتمبر/ أيلول 2020) إلى أن الموقف الغالب في دول الخليج رافض للتطبيع، وأن جزءاً معتبراً من الخطاب المؤيد يُدار عبر حسابات آلية وبرامج منظّمة من جهات حكومية، بهدف التلاعب بالنقاش العام.
والحقيقة أنه لا يمكن فهم هذا التحوّل من دون التوقّف عند الاستراتيجية الإسرائيلية في ما تُعرف بـ”الدبلوماسية الرقمية” التي تعمل في خطَّيْن متوازيَّيْن: أحدهما ناعم، والآخر خشن. ففي المسار الأول، نشرت دورية البلطيق للقانون والسياسة في يونيو/حزيران 2022 دراسةً حول الموضوع، خلصت فيها إلى أن إسرائيل عزّزت وجودها الدبلوماسي الرقمي مع انطلاق الربيع العربي، فرأت أنها أمام فرصة لاختراق الرأي العام العربي عبر الصفحات الإسرائيلية العربية في وسائل التواصل، واتباع أسلوب الدبلوماسية الناعمة، واستخدام خطاب دبلوماسي رقمي احترافي، وتوظيف أساليب التنميط والتأطير للتأثير على الرأي العام العربي والسيطرة على وعيه، لتمرير الرواية الإسرائيلية وتعميق الفجوة بين المقاومة الفلسطينية والرأي العام في المنطقة.
ويتمثل المسار الخشن في التحكّم الخوارزمي بالمحتوى وحجب السردية الفلسطينية أو تقييدها. في هذا السياق، نشر مركز الجزيرة للدراسات في يوليو/ تموز 2023 دراسة بعنوان: “الحرب على السردية الفلسطينية: محاصرة المحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي”، وثّقت مئات الحالات من تقييد المحتوى المناصر للقضية الفلسطينية في منصّات التواصل، مقابل انتشار أوسع للسرديات الإسرائيلية. وتوصّلت الدراسة إلى أن التطبيع الرقمي لا يتم فقط عبر الخطاب الناعم، بل من خلال التحكّم بما يُعرض أو يُحذف ويُحجب، أو من طريق نشر أخبار مُزوَّرة مُؤيِّدة لإسرائيل، وفق ما نقله موقع تايمز أوف إسرائيل في يونيو/ حزيران 2024 عن صحيفة نيويورك تايمز، للتأثير في الرأي العام العالمي أو العربي؛ وهو مسار برز بوضوح في العامين الأخيرين خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزّة.
ولا يقل خطورة عن ذلك الدورُ الذي يلعبه المؤثرون في تقديم محتوى إسرائيلي ثقافي وسياحي وترفيهي موجّه لجمهور عربي شاب بعيداً عن السياسة. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه ينزع السياسة عن الصراع، ويقدّم الصراع مسألة اختلاف رأي وذوق وثقافة، لا قضية استعمار وحقوق ودم.
التطبيع الرقمي، في جوهره، لا يسعى إلى الإقناع المباشر بقدر ما يعمل على إنهاك الرفض، وتفكيك مركزية القضية الفلسطينية، وجعل الصراع مسألةً قابلةً للنقاش والجدال. وهو ما يجعل مواجهته أكثر تعقيداً من مواجهة التطبيع السياسي التقليدي؛ إذ لا نواجه معاهدةً يمكن إسقاطها أو قراراً يمكن التراجع عنه، بل شبكة تفاعلات يومية تنتج واقعاً جديداً، وصراعاً في فضاء يبدو محايداً وبعيداً عن السياسة، لكنّه في حقيقته محمّل بها حتى النخاع، ولا علاقة له بالحياد بأيّ شكل من الأشكال. وبهذا المعنى، يصبح التطبيع الرقمي أحد أخطر ميادين الاشتباك في المرحلة الراهنة؛ لأنه يعمل بلا ضجيج، ويستهدف ما هو أعمق من الموقف السياسي، إذ يستهدف الحساسية الأخلاقية نفسها، وقدرة الوعي على تمييز الطبيعي من غير الطبيعي.

المعرفة شرط للمواجهة لا مدخل للتطبيع، بشرط أن تكون معرفة نقدية تفكك الخطاب ولا تعيد إنتاجه

ما سبق لا يعني أن نواجه التطبيع الرقمي بالدعوة إلى الانغلاق أو الجهل بالعدو، ولا إلى إلغاء المعرفة أو الامتناع عن المتابعة والرصد، بل يعني الانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الفعل الواعي. فالمعرفة هنا شرط للمواجهة، لا مدخل للتطبيع، شريطة أن تكون معرفة نقدية تفكّك الخطاب ولا تعيد إنتاجه. وتتمثل إحدى آليات المواجهة في إعادة تسييس ما يجرى نزعه من سياقه السياسي، أي ربط كل محتوى بسياقه الاستعماري، وكشف ما يجرى تغييبه عمداً. كما تقتضي المواجهة بناء خطاب رقمي عربي مضاد، لا يكتفي بالردّ والانفعال، بل يبادر إلى طرح سردية أخلاقية مستندة إلى الوقائع، تنقل النقاش من ردّة الفعل إلى الفعل، ومن الدفاع إلى الهجوم المدعوم بالمعرفة.
أخطر ما في التطبيع الرقمي أنه يعمل بلا ضجيج، ويستهدف ما هو أعمق من الموقف السياسي، أي الحساسية الأخلاقية نفسها، وقدرة الوعي على تمييز الطبيعي من غير الطبيعي. وإذا كان من الممكن للمواقف السياسية أن تتشكل في أوقات قصيرة، فإن الوعي يُعاد تشكيله على مدى طويل، وهو ما يجعل هذه المعركة أحد ميادين الاشتباك المركزية في الصراع.

العربي الجديد