كيف يعزز الدعم الأمريكي الانتهاكات في غزة؟

المرصد الأورومتوسطي يفضح الدعم الأمريكي لانتهاكات غزة

أصدر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بيانًا مثيرًا للجدل اتهم فيه الولايات المتحدة بتقديم “غطاء سياسي” لإسرائيل يمكنها من تأبيد الوضع الراهن في قطاع غزة ومواصلة ما وصفه المرصد بجريمة الإبادة الجماعية ضد المدنيين الفلسطينيين. يأتي هذا البيان في وقت لا تزال فيه الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في غزة واحدة من أكثر النزاعات الدولية إثارة للجدل من منظور القانون الدولي، حيث يتقاطع الدعم السياسي والعسكري للدول الكبرى مع مزاعم خطيرة عن انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

يشير بيان المرصد الأورومتوسطي إلى أن الولايات المتحدة تقدم دعمًا سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا غير محدود لإسرائيل، ويشمل هذا الدعم التمويل العسكري وتوريد الأسلحة والذخائر وقطع الغيار والتعاون الاستخباراتي. ويربط المرصد استمرار العمليات الإسرائيلية ضد المدنيين بشكل مباشر بهذا الغطاء الأمريكي غير المشروط، مستخدمًا مصطلحات حقوقية قوية مثل “الإبادة الجماعية” و”التواطؤ”، مستندًا إلى ما يعتبره انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

وفقا لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، تُعرَّف الإبادة الجماعية بأنها أفعال تُرتكب بنية تدمير جماعي كلي أو جزئي لجماعة وطنية أو عرقية أو دينية، وتشمل هذه الأفعال القتل والتحريض على القتل والإيذاء الجسيم والحرمان القسري من ظروف الحياة الأساسية التي تؤدي إلى هلاك الجماعة. ولإثبات جريمة الإبادة، يجب أن يثبت وجود نية خاصة للتدمير، وهي أعلى مستوى من درجات الإثبات في القانون الجنائي الدولي. يرى المرصد الأورومتوسطي أن الأفعال الإسرائيلية تنطبق عليها هذه المعايير بشكل كاف، خاصة في استهداف المدنيين وتشديد الحصار على قطاع غزة وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، إلا أن أي توصيف قانوني نهائي يتطلب تحقيقًا قضائيًا مستقلاً من محكمة مختصة مثل المحكمة الجنائية الدولية أو محكمة العدل الدولية.

يشمل مفهوم التواطؤ في القانون الدولي أن من يقدم المساعدة أو يسهل الأفعال التي تشكل جرائم دولية يمكن أن يُعد متواطئًا، بشرط وجود علم واضح أو نية مشتركة بأن هذه المساعدات ستسهم في ارتكاب الجريمة. في سياق الدعم الأمريكي لإسرائيل، من الصعب إثبات النية الخاصة، لأن السياسة الأمريكية تستند إلى تحالفات استراتيجية وأمنية، وليس إلى تدمير جماعة وطنية بعينها، بينما يمكن استنتاج المعرفة من تقارير حقوقية دولية تتحدث عن استهداف المدنيين.

حتى صباح 22 ديسمبر 2025، لم يصدر رد رسمي مباشر من الخارجية الأمريكية على بيان المرصد، لكن المواقف الأمريكية في المؤتمرات الصحفية السابقة كانت تؤكد رفض استخدام مصطلحات مثل “الإبادة الجماعية”، واعتبارها وصفًا غير دقيق ومضلل، مع التأكيد على أن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل قائم على حق الدفاع عن النفس ضد الإرهاب. من جهتها، تصف إسرائيل المرصد الأورومتوسطي ومنظمات حقوقية مشابهة بأنها منظمات منحازة، وأن انتقادها للدولة يدخل ضمن حملة سياسية وليس تحليل قانوني محايد، مؤكدين أن الدعم الأمريكي يعزز أمنها ويعكس شراكة استراتيجية مستمرة.

يترتب على استمرار الدعم الأمريكي انعكاسات حقوقية جسيمة، حيث تشير التقارير الحقوقية والأممية إلى استمرار المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، بما في ذلك انهيار جهود المساعدة الإنسانية بسبب عوائق إدارية وسياسية، وتهديد استمرار تقديم الغذاء والرعاية الصحية للسكان المدنيين. كما وثقت تقارير دولية حالات قتل للمدنيين خلال خروقات التهدئة السابقة، بما في ذلك قصف مدارس وملاجئ للنازحين، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة الوضع الإنساني رغم الاتفاقات المؤقتة لوقف إطلاق النار. وقد دعت منظمات حقوقية كبرى مثل هيومن رايتس ووتش الحكومات إلى التحرك العاجل لحماية المدنيين، معتبرة أن الخطط السياسية الحالية لا تكفي لوقف الانتهاكات.

يتعرض المرصد الأورومتوسطي لانتقادات متكررة تتعلق بالتحيز في التغطية والتركيز على جهة واحدة من النزاع، وهو ما تشير إليه تقارير بعض الجهات الرقابية مثل NGO Monitor، ومع ذلك يؤكد المرصد استقلاليته ويستند في تحليله إلى مصادر حقوقية متعددة، ما يجعل استخدام البيانات والأوصاف القانونية أمرًا دقيقًا ضمن سياق نقدي موضوعي.

على الصعيد الدولي، رفعت جنوب أفريقيا قضية أمام محكمة العدل الدولية تتعلق بادعاءات الإبادة الجماعية المرتبطة بالأعمال الإسرائيلية في غزة، وما تزال هذه القضية قيد التسوية ولم يصدر حكم نهائي بعد. كما أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة شهد انتخاب دول أفريقية، من بينها جنوب أفريقيا، كأعضاء، وهو ما قد يعزز طرح قضايا النزاع الفلسطيني في المحافل الدولية خلال العام القادم.

تحليل الدعم الأمريكي يظهر أن إثبات التواطؤ القانوني يتطلب توفر عنصر المعرفة والنية الخاصة، وهو ما يصعب إثباته على المستوى الدولي، حيث أن السياسة الأمريكية تستند إلى مصالح استراتيجية وأمنية، لكن الدعم السياسي والعسكري يعزز استمرار الانتهاكات، وهو ما يثير مساءلة أخلاقية وسياسية ويضع الولايات المتحدة في موقف نقدي مستمر أمام المنظمات الحقوقية الدولية.

يخلص هذا التحليل إلى أن الدعم الأمريكي لإسرائيل، رغم أنه قد لا يرقى إلى تواطؤ جنائي مثبت، يسهم في استمرار الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، ويستدعي تعزيز الرقابة الدولية والمساءلة القانونية. توصي منظمات حقوق الإنسان بضرورة مراقبة هذا الدعم من قبل آليات أممية مستقلة، وتعزيز قدرة المحكمة الجنائية الدولية على تقييم أفعال الدول الداعمة، والضغط الدولي لوقف توريد الأسلحة، والتأكيد على الالتزام الصارم بالقانون الدولي الإنساني من جميع الأطراف لضمان حماية المدنيين.

يبقى موضوع الدعم الأمريكي لإسرائيل في حرب غزة من أكثر القضايا إثارة للجدل في القانون الدولي الحديث، ويثير تساؤلات حول مسؤولية الدول الكبرى تجاه حماية الحقوق الإنسانية الأساسية ومساءلتها في حال المشاركة في استمرار الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، مؤكداً أن القضية تتجاوز التوجهات السياسية لتصل إلى نطاق العدالة والإنصاف في النزاعات المسلحة.