حرب النفط (أمريكا-فنزويلا) ما وراء الكواليس ؟

مصادرة ناقلات النفط تثير تساؤلات

في تصعيد غير مسبوق للتوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا، أعلنت واشنطن عن مطاردة ومصادرة ناقلة نفط ثالثة يوم 21 ديسمبر 2025 قبالة السواحل الفنزويلية، بعد مصادرة ناقلتين أخريين خلال الأسابيع الماضية. يأتي هذا الإجراء ضمن ما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ”حصار كامل” على جميع الناقلات الفنزويلية الخاضعة للعقوبات الأمريكية، ما يثير تساؤلات حقيقية حول طبيعة هذه المصادرات: هل هي إنفاذ لعقوبات مشروعة أم عودة لسياسات الإمبريالية الأمريكية في أمريكا الجنوبية؟

مع ارتفاع أسعار النفط العالمية وتصاعد الانتقادات الدولية، يبدو أن “حرب النفط” بين إدارة ترامب ونظام نيكولاس مادورو قد دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة، مما يضع المنطقة على حافة تصعيد سياسي واقتصادي.

بدأت التوترات تتصاعد بشكل واضح منذ إعادة انتخاب ترامب في عام 2024، عندما أطلق حملة ضغط مكثفة ضد حكومة مادورو، متهمًا إياه بتمويل الإرهاب ونشاطات غير قانونية عبر تصدير النفط، بما في ذلك دعم جماعات مثل حزب الله.

في 10 ديسمبر 2025، صادرت الولايات المتحدة الناقلة “Skipper”، التي كانت تحمل نحو 1.8 مليون برميل نفط خام فنزويلي ثقيل، في المياه الدولية قبالة فنزويلا، بمشاركة خفر السواحل الأمريكي، مكتب التحقيقات الفيدرالي، ودعم عسكري من حاملة الطائرات USS Gerald Ford. الناقلة كانت متجهة إلى كوبا، واعتبرت واشنطن شحنتها مخالفة للعقوبات المفروضة على شركة النفط الوطنية الفنزويلية PDVSA منذ 2019.

لم تتوقف الأمور عند ذلك، ففي 20 ديسمبر، صودرت الناقلة الثانية “Centuries”، فيما أعلن ترامب بعد ذلك مباشرة “حصارًا كاملًا” على جميع الناقلات الفنزويلية المعاقبة، سواء الداخلة أو الخارجة من فنزويلا. وفي اليوم التالي، 21 ديسمبر، أعلنت السلطات الأمريكية عن مطاردة الناقلة الثالثة، والتي يُحتمل أن تكون “Bella 1” تحت علم بنما، واعتبرتها جزءًا من ما يُعرف بـ”أسطول الظلال” الذي يهدف إلى التهرب من العقوبات.

هذه العمليات أدت إلى توقف عشرات الناقلات في الموانئ الفنزويلية خوفًا من المصادرة، مما يهدد صادرات النفط اليومية لفنزويلا، والتي تجاوزت 900 ألف برميل في نوفمبر 2025.

الزاوية الأكثر إثارة للجدل تكمن في تفسير هذه المصادرات. من الجانب الأمريكي، يُبرر الإجراء بقوانين داخلية مثل قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية، حيث تربط الإدارة النفط بتمويل “كارتيل الشمس” (Cartel de los Soles) الذي يقوده مادورو، مع مزاعم بوجود علاقات مع إيران وحزب الله. ترامب صرح صراحة: “نحن نحتفظ بالنفط”، ملمحًا إلى أن العائدات ستذهب إما إلى الخزانة الأمريكية أو إلى ضحايا النظام الفنزويلي.

في المقابل، وصف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو المصادرات بأنها “قرصنة دولية” و”سرقة صارخة”، محذرًا من الرد العسكري، ومطالبًا برفع شكوى إلى مجلس الأمن الدولي. كما أمر البحرية الفنزويلية بمرافقة الناقلات، ما يزيد من خطر تصعيد الموقف إلى مواجهة بحرية محتملة.

خبراء قانونيون دوليون يشككون في شرعية المصادرات، معتبرين أنها انتهاك لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، خاصة أن بعض الناقلات لم تُدرج رسميًا في قوائم العقوبات، ما يثير تساؤلات حول مدى التزام الولايات المتحدة بالقوانين الدولية.

على منصات التواصل الاجتماعي، انقسم الرأي: بعض المستخدمين دعموا الإجراءات الأمريكية، واصفين إياها بأنها “ضربة للمخدرات والإرهاب”، بينما وصف آخرون المصادرات بأنها “إمبريالية أمريكية جديدة”، مشيرين إلى استثناء شركات أمريكية كبرى مثل شيفرون من الحظر، مما يضيف بعدًا من التناقض في تطبيق العقوبات.

اقتصادياً، تسببت المصادرات في انخفاض حاد في صادرات النفط الفنزويلية، مع توقف عشرات الناقلات في الموانئ. هذا الأمر أثر مباشرة على مشترين رئيسيين مثل الصين والهند، وزاد المخاوف من اضطراب الأسواق العالمية.

ارتفعت أسعار النفط العالمية بنسبة 2% فور الإعلان عن المصادرة الثانية، وسط مخاوف المستثمرين من استمرار تصعيد التوترات. في الولايات المتحدة، قد يؤدي ذلك إلى تعزيز الإنتاج المحلي، خاصة في مناطق مثل تكساس، لكن الخبراء يحذرون من احتمالية ارتفاع أسعار الوقود محليًا إذا استمرت المصادرات والتوترات.

ردود الفعل الإقليمية والدولية

تسببت المصادرات في انقسام دول أمريكا اللاتينية:

  • قادة يساريون، مثل غوستافو بيترو في كولومبيا، انتقدوا ما وصفوه بـ”الاعتداء الأمريكي”.

  • بينما رحب قادة يمينيون، مثل خافيير ميلي في الأرجنتين، بالضغط الأمريكي على مادورو.

على الصعيد الدولي، طالبت روسيا بإجراء تحقيق قانوني في هذه المصادرات، معتبرة أنها “غير قانونية”، وأجرت اتصالات مباشرة بين بوتين ومادورو لتنسيق المواقف. وحتى داخل الكونغرس الأمريكي، أعرب بعض الديمقراطيين عن قلقهم من “السير نحو حرب دون نقاش”

إجراءات الولايات المتحدة أثارت مخاوف من تصعيد عسكري محتمل في المنطقة، خصوصًا بعد إعلان مادورو أن البحرية الفنزويلية سترافق ناقلات النفط المتبقية. هذا التحرك يزيد من احتمالية حدوث مواجهة مباشرة بين القطع البحرية الأمريكية والفنزويلية، مع مخاطر على التجارة الدولية في البحر الكاريبي.

مع استمرار “عملية الرمح الجنوبي” الأمريكية، التي أسفرت منذ سبتمبر عن 95 قتيلًا بسبب التوترات البحرية والتهديدات الأمنية، يبدو أن الأزمة بين واشنطن وكاراكاس في ديسمبر 2025 قد تؤدي إلى أزمة إقليمية واسعة.

المصادرات النفطية تثير نقاشًا محتدمًا حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تمارس سياسة إمبريالية جديدة أم مجرد إنفاذ عقوبات مشروعة. بالتأكيد، استمرار هذه العمليات سيؤثر على السوق العالمية للطاقة، الاستقرار السياسي في أمريكا اللاتينية، والعلاقات الدولية، مما يجعل المتابعين والباحثين في الاقتصاد والسياسة العالمية على أهبة الاستعداد لأي تطورات جديدة.