الجنائية الدولية تلاحق إسرائيل بمذكرات الاعتقال
مع تصاعد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الاحتلال
- السيد التيجاني
- 16 ديسمبر، 2025
- تقارير
- إسرائيل, الإبادة الجماعية, الاحتلال, الجنائية الدولية, غزة
يشهد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي تحولًا نوعيًا على الصعيد القانوني، مع تصاعد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد إسرائيل أمام المحاكم الدولية، ما ينقل القضية الفلسطينية من ساحات الإدانة السياسية والأخلاقية إلى فضاء المساءلة القانونية المباشرة.
وتكتسب هذه الدعاوى أهمية بالغة، ليس فقط من الناحية الرمزية، بل أيضًا لقدرتها على كسر سياسة الإفلات من العقاب وتعزيز حقوق الفلسطينيين المشروعة وفق القانون الدولي.
أهمية الدعاوى القضائية ومسارها التراكمي
وفق برنامج “للقصة بقية”، تشكل الدعاوى القضائية أمام المحاكم الدولية خطوة أساسية نحو محاسبة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وصولًا إلى حالات الإبادة الجماعية في قطاع غزة.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن مسار قانوني تراكمي يهدف إلى توثيق الانتهاكات وفرض مساءلة قانونية على مستويات عدة، بما يشمل المسؤولين السياسيين والعسكريين.
مثال على ذلك، الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، والتي اتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة،
في ظل تجاهلها أوامر المحكمة وتحركات المجتمع الدولي لإيقاف الانتهاكات الإنسانية والسماح بإدخال المساعدات العاجلة. تزامن ذلك مع إصدار مذكرتي اعتقال عن المحكمة الجنائية الدولية بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية،
وهو ما أثبت رفض المحكمة إلغاء هذه المذكرات رغم الضغوط السياسية الأميركية والإسرائيلية.
“قرار تاريخي” يعزز المسار القضائي
عبد المجيد مراري، عضو الفريق القانوني للدفاع عن فلسطين أمام الجنائية الدولية، وصف الموقف بأنه “الأهم بعد معركة الأرض”، مشيرًا إلى أن إسرائيل سخرت كل مواردها القانونية لمحاولة تعطيل سير العدالة، رغم محدودية القيمة القانونية للطعون التي قدمتها.
وأوضح مراري أن قرار المحكمة الجنائية الدولية الأخير يمثل “قرارًا تاريخيًا”، إذ رفضت الغرفة التمهيدية إعادة فتح النقاش حول مسألة الإخطار والاختصاص القضائي، مؤكدة أن مذكرتي الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت لا تزالان ساريتين ونافذتي المفعول.
وأشار مراري إلى أن المحكمة الجنائية الدولية تتعامل مع الأفراد وليس الدول، مما يعني أن الطعون التي تقدمت بها إسرائيل كدولة لا تتعلق بالمسار القضائي المباشر للمسؤولين المعنيين.
هذا القرار يعكس تحولًا مهمًا في مسار العدالة الدولية، ويعزز قدرة المحكمة على متابعة قضايا الانتهاكات الإنسانية الخطيرة في فلسطين.
تداعيات الهجوم الإسرائيلي على غزة
أسفرت الحرب الإسرائيلية على غزة عن مقتل ما لا يقل عن 70 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة المعتمدة من الأمم المتحدة.
هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية وتؤكد أهمية المسار القضائي في توثيق الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها، ما يضع ضغوطًا إضافية على إسرائيل والمجتمع الدولي.
واقع قانوني جديد وضغوط دولية
أستاذ القانون الدولي ويليام شاباس أكد أن إسرائيل “تقاتل بكل الموارد المتاحة” لتعطيل عمل محكمتي العدل والجنائية الدوليتين، معتبرا أن الهجمات ضد المحكمتين غير قانونية.
وأشار إلى أن الضغوط لا تأتي فقط من إسرائيل، بل من الولايات المتحدة، التي فرضت عقوبات على قضاة وموظفين في المحكمة، في محاولة لتأثير على سير العدالة.
وأكد مراري أن هذه الإجراءات لم تمنع إصدار مذكرات الاعتقال، وأن القرار الأخير للمحكمة يعني احتمال صدور مذكرات إضافية بحق قادة إسرائيليين، مع تقييد حركتهم دوليًا، مما يفرض واقعًا قانونيًا جديدًا حتى في ظل الغطاء السياسي الغربي لإسرائيل.
كما أشار شاباس إلى أن قضية جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية قد تفتح الباب أمام بحث مسؤوليات أطراف أخرى متورطة، وأن هناك قلقًا داخل حكومات غربية من احتمال التعرض للمساءلة الدولية نفسها.
يرى الدكتور كارلوس مارتينيز، خبير شؤون أميركا اللاتينية، أن هذه التحركات القضائية تعكس رغبة المجتمع الدولي في إعادة التوازن بين القانون والسياسة، خاصة في مواجهة سياسات الإفلات من العقاب التي مارستها إسرائيل لعقود.
من جانبه، قال ويليام شاباس إن الضغوط الأميركية والبريطانية على المحكمة الجنائية الدولية تهدف إلى تعطيل العدالة، لكنها لم تنجح في وقف المسار القضائي، مما يرسخ مبدأ مساءلة الأفراد مهما بلغت مواقعهم السياسية.
الباحثة الكولومبية ماريا غونزاليس أضافت أن الزخم الدولي المتزايد من دول أوروبية وغيرها يعزز قدرة المحكمة على متابعة القضايا، ويفتح الطريق أمام التحقيق في ملفات الأسرى الفلسطينيين والانتهاكات ضد الصحفيين وحقوق الإنسان.البعد السياسي والحقوقي
سياسيًا، تمثل هذه الدعاوى تحولًا في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث لم تعد القضية مقتصرة على الإدانة الرمزية أو الخطابات السياسية، بل أصبحت خاضعة للمساءلة القانونية المباشرة، مما يضغط على إسرائيل وعلى المجتمع الدولي لإعادة النظر في سياساتهم تجاه الصراع.
كما يشير مراري إلى أن العدالة الدولية أصبحت مسارًا قائمًا لدعم حقوق الفلسطينيين، حتى وإن تطلب ذلك وقتًا طويلًا. هذا التقدم يعكس تحولًا استراتيجيًا يمكن أن يكون له آثار بعيدة المدى على المسار القانوني الدولي في النزاعات المسلحة وجرائم الحرب.
المسار القضائي الحالي يمثل نقلة نوعية في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث يتم توثيق الجرائم ومساءلة المسؤولين، حتى في ظل الضغوط السياسية الغربية والإسرائيلية.
ويؤكد هذا التحرك الدولي على أن العدالة الدولية يمكن أن تصبح أداة فعالة لدعم حقوق الضحايا، وفرض مساءلة قانونية على من انتهكوا القانون الدولي، مع إمكانية توسعة التحقيقات لتشمل أطرافًا أخرى في المستقبل.
هذه المعركة القانونية الطويلة والمعقدة تعكس تحولًا استراتيجيًا في مسار النزاع الفلسطيني، وتفتح الباب أمام فرض قواعد قانونية جديدة، قد تكسر نهج الإفلات من العقاب الذي طالما رافق الانتهاكات في الصراع.