في منطق «السّلطة ورجالها»
د. نارت قاخون يكتب
- dr-naga
- 14 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
تعمل السّلطة – أيّ سلطة- وفق منطق لا يقاس بمقاييس الأفراد؛ فهي “بنية” تتجاوز الأشخاص، تستبقي ذاتها غبر التّغيير المستمرّ لرموزها وأدواتها، فما قد يبدو “محاكمة”، أو “إدانة”، أو “تشريحاً على الفضاء” لشخصٍّ “سابق النّفوذ”، ليس في الجوهر إلاّ آاليّة من آليّات إعادة إنتاج “السّلطة”، وتعزيز نفوذها البنيويّ.
تحتاج كلّ سلطة إلى “رجال أقوياء”؛ يمسكون بلمفّات، أو يديرون توازنات، أو يفتحون مسارات خفيّة في الدّاخل والخارج، لكنّ هؤلاء “الأقوياء” ليسوا أكثر من “أدوات مستعارة”؛ يستمدّون قوّتهم، ونفوذهم من “تفويض مؤقّت” تمنحهم إيّاه “السّلطة”.
وحين تكتمل وظيفة الأداة، تصبح قوّته خطراً، لا مكسباً، وتتحوّل الهيبة التي أُسبغت عليهم إلى فائض يهدّد مركز السّلطة ذاته، فيجري “تفكيكهم”: تُسحب منها الهالة، وتُرمى في العلن موضعاً للاتّهام، أو رمزاً للفساد، أو مثلاً على “لا أحد فوق المحاسبة”.
ما يبدو للعيان أنّه “فتح لملف فساد”، ليس في العمق إلا إغلاقاً لملف أدّى أغراضه؛ فـ”السّلطة” لا تعاقب رجالاتها حين يكونون في طور الحاجة إليهم، بل حين تُنجز مهامهم ويغدو بقاؤهم عبئاً.
لحظة المحاكمة ليست لحظة كشف، بل لحظة طيّ؛ ليست إظهاراً للحقائق، بل دفناً لمرحلة اكتملت وظيفتها.
تبرع “السّلطة” في تحويل “التّحطيم الفرديّ” إلى مشهد جمعيّ: مشهد “العدالة النّاجزة” أو “المحاسبة التي لا تستثني أحداً”. لكن خلف هذا، يجري تمرير رسالة أبقى: أنّ “السّلطة” أكبر من الرّجال، وأنّ القوة المطلقة ليست حصانة، بل وظيفة مؤقّتة تسقط بسقوط الحاجة.
يمكن القول إنّ “السّلطة”، كالكائن الحيّ، تبدّل خلاياها على الدّوام، فمن يظنّ أو يتوهّم أنّه صار “الخلية التي لا غنى عنها” سرعان ما يدرك أنّه مجرّد نسيج قابل للاستبدال. إنّها آليّة دفاع طبيعيّة: التخلّص من الفائض لحماية الكيان الكلّيّ.
“السّلطة” – أيّ سلطة – بجوهرها البنيويّ، وتمظهرها “النّفوذيّ” أسطورة لا تسقط، بل يُعاد إنتاجها: “السّلطة وحدها تبقى، والأشخاص يُستبدلون”.
لا قوّة مطلقة ومحصّنة لأيّ فرد؛ فـ”القوّة” ليست ذاتيّة، بل بنيويّة: أي بما تمنحه “السّلطة” لهذا الفرد: قوّة تأتي من “موقع” هذا الفرد، و”علاقاته”، و”وظائفه” المؤقّتة، أو المتجدّدة، أو “المنتظرة”.
ملاحظة عابرة: تكون نهاية بعض “رجال السّلطة”، والنّفوذ أكثر دراماتيكيّة وصخباً، اعتماداً على حجم نفوذهم، و”طبيعة وظائفهم”، وضرورة “طيّ مراحلهم” داخليّاً وخارجيّاً؛ فبعضهم “يحطّم”، وبعضهم “يُنسى ويركن”؛ فيُطلّ ملوّحاً من بعيد في زمن أتاحت “ثورة الميديا الرّقميّة” وسائل تلويح كثيرة، وبعضهم يظلّ في مشهد “الدّيكور العامّ”، وهؤلاء – أي الباقون المدوّرون- غالباً ما تكون “وظائفهم” تسيير أعمال “آخرين” موكّلين بالمهامّ الأخطر والأخفى، وتيسير مهمّاتهم.
المصدر: جريدة الأمة الإلكترونية