الخطاب المقدسي
د. وصفي أبوزيد يكتب
- dr-naga
- 9 ديسمبر، 2025
- رأي وتحليلات
يُبنى الخطاب المقدسي الراشد على أساسٍ شرعيٍّ متين، تتكامل فيه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية والمقاصد الشرعية العليا لتشكّل جميعها “ميزان الوعي” الذي يحول دون الانخداع بالدعايات، أو الوقوع في ردود الأفعال، أو الانزلاق إلى الخطابات العاطفية المنفلتة من ضوابط الوحي. فالقدس ليست قضية تُتناول بخطابٍ سياسيٍّ محض، ولا موضوعًا تُعالجه الانفعالات المؤقتة؛ بل هي قضيةٌ ينطق فيها الوحي، ويُرسي أصولَها القرآنُ، ويُبيّن ملامحها النبيُّ ﷺ، وتُحكِمها مقاصدُ الشريعة التي تحفظ للخطاب بوصلته واتزانه.
فالأساس الأول لهذا الخطاب هو مرجعية النصّ القرآني؛ إذ لا يمكن أن يتشكّل وعيٌ مقدسيٌّ معاصر دون العودة إلى الآيات التي نصَّت على البركة والقداسة، وربطت بين الوحي وبيت المقدس، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾، وقوله لموسى عليه السلام: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾. وهذه الآيات ليست إشاراتٍ جغرافيةً، بل هي تأسيس لمعنى “القدس الرسالي”، القدس التي اختارها الله لتكون ساحةَ وحي، ومهوى رسالات، ومسرحًا للابتلاء والتمكين، وهذا وحده كافٍ ليُحوّل قضية القدس إلى قضية عقدية تُبنى على اليقين لا على التحليلات العابرة.
ويستند الخطاب الشرعي كذلك إلى السنة النبوية التي نزّلت هذه المعاني من سماء النظر إلى أرض الواقع؛ فقد قرّر النبي ﷺ فضل المسجد الأقصى، وبيّن أنه أحد المساجد الثلاثة التي تُشدّ إليها الرحال، كما قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَّا إلى ثلاثةِ مساجدَ: المسجدِ الحرامِ، ومسجدي هذا، والمسجدِ الأقصى»؛ وأكّد فضله في أحاديثَ كثيرة، وربطه بالرباط والجهاد، والصبر والثبات، والبشارات المستقبلية، مما يجعل السنة مصدرًا تأسيسيًّا في صياغة خطابٍ يقظٍ، مستنيرٍ، مقاومٍ للتزييف، يعيد للقدس مكانتها في ضمير الأمة.
ثم يأتي البعد المقاصدي ليكمل البناء؛ إذ لا يكتمل الخطاب حتى تُستحضر مقاصد الشريعة الكبرى** التي تُعدّ ميزانًا لفهم النصوص وتنـزيلها، فمن مقاصد حفظ الدين يظهر وجوب حماية المسجد الأقصى من التهويد ومنع الاعتداء عليه؛ ومن مقاصد حفظ النفس يظهر وجوب حماية الشعب الفلسطيني من القتل والتهجير؛ ومن مقاصد حفظ العرض والنسل يظهر وجوب حماية العائلات المقدسية وهويتها؛ ومن مقاصد حفظ المال يظهر وجوب حماية الوقف الإسلامي ومنع سرقة الأرض؛ ومن مقاصد حفظ العقل يظهر وجوب مواجهة الرواية الصهيونية التي تشوّه الوعي وتضلل الأجيال.
وهكذا يتشكّل الخطاب المقدسي من ثلاثة ركائز كبرى: النصّ الذي يمنح الخطاب شرعيته، والسنة التي تمنحه وضوحه، والمقاصد التي تمنحه وعيه وبوصلته. وبهذه المكونات يتوازن الخطاب بين التراث والمعاصرة، بين العقيدة والسياسة، بين الروح والمعرفة، ليغدو خطابًا ربانيًا ينهض بالأمة ولا يهبط بها، ويُوَحِّد ولا يُفَرِّق، ويُبقي القدس في قلب مشروع الأمة لا في هامشه.
ولا بد أن يُبنى هذا الخطاب على المركزية العقدية للقدس؛ فهي أولى القبلتين، وثالث الحرمين، ومسرى النبي ﷺ، وإليها تشدّ الرحال، وفي أكنافها الطائفة المنصورة، ومنها ستكون معالم الفتح والتمكين. وبذلك لا يكون خطاب القدس مجرد كلامٍ دفاعي، بل خطابًا يرسخ لدى المسلم أن القدس جزء من دينه، وأن التفريط فيها تفريطٌ في مقصدٍ شرعيٍ عظيم، وأن حمايتها ليست شأنًا سياسياً بل واجبًا دينيًا وأمانةً حضارية.
جريدة الأمة الإليكترونية