قطر تكشف جذور وساطتها مع حماس وأبعادها

بناءً على طلب من الولايات المتحدة

لم يكن التصريح الذي أدلى به رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني حدثًا عابرًا في سياق جدل سياسي متكرر حول علاقة الدوحة بحركة حماس. 

فعندما قال إن العلاقة بدأت قبل 13 عامًا “بناءً على طلب من الولايات المتحدة”، بدا واضحًا أن الرجل أراد وضع النقاط على الحروف، وكشف الخلفية الحقيقية لمسار ظلّ محاطًا بالتأويلات على مدى سنوات.

تعود فصول الحكاية إلى مرحلة ما بعد صعود حركة حماس إلى السلطة في غزة،

ومن ثم دخول القطاع في حالة من العزلة السياسية والأمنية. ومع تزايد المواجهات بين إسرائيل والحركة، وجدت واشنطن نفسها في حاجة إلى قناة خلفية يمكن الاعتماد عليها للتواصل مع قيادة حماس، دون أن يترتّب على ذلك اعتراف مباشر أو علاقة سياسية معلنة.

في تلك الفترة، اتجهت الأنظار نحو قطر، الدولة التي حافظت في علاقاتها الخارجية على صيغة مرنة تسمح لها بالتحاور مع أطراف متناقضة من دون صدام مع القوى الكبرى. تمتلك الدوحة علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة،

وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وفي الوقت ذاته تحتفظ بعلاقات تتيح لها التواصل مع فاعلين غير حكوميين في المنطقة. هذا المزيج منح قطر موقعًا مثاليًا لتكون وسيطًا، أو “دولة جسر” بين أطراف يصعب أن تجتمع في مكان واحد.

وفق رواية آل ثاني، فإن انتقال قيادات حماس السياسية إلى الدوحة في عام 2012 لم يكن خطوة أحادية من قطر، بل ترتيبات تمت بالتنسيق مع الأمريكيين، الذين رأوا أن وجود قيادة الحركة في دولة حليفة يمنحهم نافذة يمكن استخدامها خلال الأزمات. هذا التوضيح يضع الأساس لفهم العلاقة بوصفها علاقة وساطة قبل أن تكون علاقة تحالف.

هكذا بدأت قطر، بقبول مسؤولية سياسية ودبلوماسية ثقيلة، باستضافة المكتب السياسي لحماس، على أن يكون دوره الأساسي مرتبطًا بإدارة التهدئات، وتسهيل الوصول الإنساني، وحلحلة الملفات المعقدة التي تحتاج قنوات اتصالات غير علنية.

2. قطر كوسيط: الدور بين الدعم الإنساني والإدارة السياسية للأزمات

منذ ذلك الحين، أصبحت الدوحة لاعبًا محوريًا في أي مفاوضات تتعلق بغزة. لم يكن ذلك بسبب قدرة قطر وحدها، بل نتيجة فراغ سياسي تركه غياب قنوات أخرى قادرة على التعامل مع الأطراف المتنازعة.

تولّت قطر دورًا شبيهًا بما لعبته سابقًا في وساطات أخرى مثل طالبان في أفغانستان، حيث نجحت الدولة الخليجية في احتضان حوارات صعبة لم يكن من الممكن إجراؤها في أي مكان آخر.

خلال السنوات التالية، لعبت قطر عدة أدوار مهمة في غزة:

تمويل المساعدات الإنسانية المباشرة للسكان: دفعت رواتب الموظفين المدنيين، وقدمت دعمًا لكهرباء القطاع، وساهمت في مشاريع إعادة الإعمار.

نقل رسائل بين الأطراف: كانت الدوحة قناة اتصال بين واشنطن والقاهرة وتل أبيب من جهة، وبين حماس من جهة أخرى.

التفاوض على صفقات التهدئة وتبادل الأسرى: في كل جولة عنف تقريبًا، كانت قطر جزءًا من غرفة عمليات الوساطة.

تسهيل دخول المنظمات الدولية: شاركت في تنسيق آليات تجعل للمساعدات مسارًا قانونيًا لا يثير حساسية الأطراف.

تؤكد الدوحة أن كل الأموال التي دخلت غزة كانت تحت إشراف دولي وبعلم إسرائيل، وأنها كانت مخصصة للمدنيين وليس للحركة.

ورغم ذلك، فإن الصورة في الإعلام الدولي كثيرًا ما تميل إلى تصوير الدعم على أنه دعم مباشر لحماس، بما يفتح الباب أمام حملات سياسية تسعى أحيانًا لتحميل قطر مسؤولية معطيات خارجة عن سيطرتها.

لكن الخبراء يشيرون إلى أن الوساطة بطبيعتها تفرض مخاطرة: فالوسيط يتحدث مع الجميع، ما يجعله عرضة للاتهام من طرف أو أكثر مهما كانت نواياه. وبالنسبة لقطر، فإن الجمع بين الدور الإنساني والدور السياسي جعلها في واجهة الأحداث بشكل دائم، خصوصًا مع كل تصعيد جديد في غزة.

رغم هذا الضغط، حافظت القيادة القطرية على موقف ثابت: أن الدوحة لا تدعم حماس كفصيل مسلح، بل تتعامل معها كطرف موجود على الأرض، بغرض الوصول إلى حلول أو مسارات تخفيف المعاناة الإنسانية.

هذه المقاربة لم تكن تعني تبني مواقف الحركة، بل التعامل معها وفق قواعد العمل الدبلوماسي وضرورات إدارة الأزمات.

3. الخبراء يقرأون المشهد: الوساطة بين الضرورة والاتهامات المتبادلة

فتح التصريح القطري الباب أمام نقاش واسع بين الخبراء السياسيين حول دلالاته وتوقيته وأبعاده.

يرى بعض المحللين أن الكشف عن أن العلاقة بدأت “بطلب أمريكي” لم يكن مجرد توضيح للرأي العام، بل رسالة سياسية موجّهة للغرب، تقول إن تحميل قطر المسؤولية عن ممارسات حماس ليس منطقيًا في ظل كون هذه العلاقة نتاجًا لتفاهمات دولية.

آراء الخبراء الدوليين

قال الباحث الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط جوناثان ريدر إن واشنطن كانت بحاجة إلى “قناة آمنة وفعالة، من دون أن تضطر إلى التعامل مباشرة مع حماس”،

وإن قطر كانت الدولة الوحيدة التي تمتلك شبكة علاقات إقليمية تسمح لها بلعب هذا الدور بلا حساسيات كبيرة. يرى ريدر أن الدوحة “دفعت ثمنًا سياسيًا كبيرًا” مقابل دورها، لكنه كان دورًا لا غنى عنه في كل جولات التفاوض.

أما الدبلوماسية الأوروبية السابقة هيلين دورميل، فترى أن “قطر تعاني من مفارقة جوهرية: فالدول الكبرى تحتاج وساطتها،

لكنها في الوقت ذاته تتعرض لاتهامات بأنها قريبة من حماس”. وتشير إلى أن “مركز الوساطة” بطبيعته يفرض علاقة مع جميع الأطراف، حتى تلك التي توصف بالمتطرفة، لأن إغلاق قنوات التواصل يعني تعطيل أي فرصة لحل النزاع.

بدوره، يعتبر المحلل السياسي يزيد الصايغ أن توقيت التصريح لم يكن عشوائيًا، بل جاء في لحظة تشهد ضغطًا إعلاميًا على الدوحة. ويضيف: “قطر أرادت أن تقول للغرب: نحن نمارس دورًا بدأتم أنتم أنفسكم بتكليفه لنا. فلا يمكن لوم الوسيط على وجوده في الميدان”.

الحسابات السياسية

يرى بعض الخبراء أن الدول الصغيرة، مثل قطر، غالبًا ما تبني سياستها الخارجية على مبدأ “الوظيفة”، أي لعب أدوار يحتاجها العالم، مثل الوساطة أو الاستثمار أو التسهيل الدبلوماسي.

وهذا الدور يمنحها مكانة أكبر من حجمها الجغرافي، لكنه يعرّضها كذلك للانتقاد من دول كبرى تبحث دائمًا عن أطراف تتحمل تكلفة إدارة الملفات الحساسة.

بالنسبة لقطر، فإن وجودها كوسيط في ملف حماس جعلها لاعبًا محوريًا في كل ما يتعلق بالقطاع، لكنه أيضًا وضعها تحت رقابة مكثفة من أطراف لا ترغب في استمرار دورها. ومع ذلك، فإن غياب بديل حقيقي يجعل الجميع مضطرًا للعودة إلى الدوحة في نهاية المطاف.

4. إلى أين تتجه العلاقة؟ بين استمرار الوساطة وتطوّر المشهد الإقليمي

من المؤكد أن العلاقة بين قطر وحماس لن تعود إلى نقطة الصفر بعد التصريح الأخير، بل ستتجه إلى مزيد من الوضوح السياسي، خصوصًا أن الدوحة باتت ترى ضرورة وضع إطار معلن لدورها، حتى لا تبقى عرضة للتأويل. مستقبل هذه العلاقة مرتبط بثلاثة مسارات رئيسية:

المسار الأول: موقف الولايات المتحدة

واشنطن هي الجهة التي بدأت العلاقة، لكنها أيضًا الجهة القادرة على توجيه مسارها في المستقبل. فإذا استمرت الإدارة الأمريكية في النظر إلى الدوحة كقناة ضرورية لخفض التصعيد، فسيبقى دور قطر جزءًا من السياسة الأمريكية في المنطقة.

أما إذا تغيّر هذا الموقف، فقد تواجه الوساطة القطرية صعوبات حقيقية، خصوصًا مع الضغوط السياسية المتزايدة من أطراف ترى في قطر “فاعلًا غير محايد”.

المسار الثاني: موقف إسرائيل داخل سياق الحرب والتهدئات

إسرائيل، رغم انتقاداتها العلنية، لطالما استفادت من الدور القطري كجسر اتصال مع حماس، سواء لإدارة ملفات الأسرى أو لتمرير التهدئات.

لكن أي تغيير في الموقف الإسرائيلي تجاه الوساطة سيعني إغلاق نافذة كانت تلعب دورًا مهمًا في خفض مستويات التصعيد.

ومع ذلك، يبقى سيناريو التخلي عن الوساطة القطرية ضعيفًا، نظرًا لغياب بديلعملي يمكنه لعب الدور ذاته بالفاعلية نفسها.

المسار الثالث: قدرة قطر على الصمود أمام الضغط الإعلامي والسياسي

لم تواجه دولة أخرى في المنطقة حجم الضغط الذي تواجهه قطر بشأن ملف حماس. ومع ذلك، تستند الدوحة إلى عاملين أساسيين:

1. شرعية دولية اكتسبتها من دورها في الوساطات السابقة.

2. تأييد ضمني من عواصم غربية تدرك أن الحلول السياسية تحتاج دائمًا إلى أطراف قادرة على التحدث مع الجميع.

هذا يجعل قطر واثقة بأن استمرار دورها ليس مجرد خيار، بل ضرورة سياسية، ليس لها فقط، بل للمنطقة بأكملها.

يكشف تصريح رئيس الوزراء القطري عن قصة معقّدة تتجاوز حدود العلاقة بين دولة وحركة، لتصل إلى عمق هندسة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط. لم تبدأ العلاقة كتحالف،

بل كوساطة. ولم تُبنَ على توافق أيديولوجي، بل على وظيفة سياسية رأت فيها الولايات المتحدة طريقًا لإدارة ملف شائك ومعقد.

اليوم، ومع تزايد اشتعال الأزمات، يبدو أن قطر تجد نفسها أمام مسؤولية مضاعفة: الاستمرار في لعب دور الوسيط رغم الحملات المتكررة، والحفاظ على توازن دقيق بين الأطراف المتصارعة.

وبينما تشير المؤشرات إلى أن هذا الدور سيبقى لفترة طويلة، فإن مستقبل العلاقة سيكون مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على التعامل مع الواقع كما هو: لا يمكن إدارة ملف غزة من دون قناة اتصال فعالة، ولا يمكن لأي وساطة أن تتم دون التواصل مع جميع الفاعلين على الأرض.

قطر، على ما يبدو، لا تزال الدولة التي تملك هذا الدور، سواء أحب الآخرون ذلك أم كرهوه.