أمريكا وروسيا يستعدان لإنهاء حرب أوكرانيا

إعادة دمج روسيا في النظام الاقتصادي العالمي

تدور عملية واسعة من الاتصالات السرّية بين شخصيات نافذة في الإدارة الأميركية ورجال أعمال روس، في محاولة لصياغة مقاربة سياسية ـ اقتصادية لإنهاء حرب أوكرانيا وإعادة دمج روسيا في النظام الاقتصادي العالمي.

ووفق ما كشفته صحيفة (وول ستريت جورنال) ووثائق أوروبية وأميركية، لعب المبعوث الرئاسي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر دوراً مركزياً في هذه الاتصالات التي تمت خارج القنوات الدبلوماسية.

وبدأت القصة عندما طلب مكتب ويتكوف من وزارة الخزانة الأميركية إصدار إعفاء يسمح بدخول كيريل ديمترييف، رئيس صندوق الثروة السيادية الروسي والمقرّب من بوتين، إلى الولايات المتحدة رغم خضوعه لعقوبات منذ عام 2022.

وافقت “الخزانة” على الطلب بعد تردد، ما أتاح لديمترييف دخول البيت الأبيض في الثاني من أبريل لعرض قائمة من المشاريع الاقتصادية المشتركة التي تتضمن استخدام جزء من نحو 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي المجمّدة في أوروبا لتمويل مشاريع ثنائية في الطاقة والتكنولوجيا وإعادة الإعمار.

وسرعان ما اتضح أن المسار لم يكن اقتصادياً فقط؛ فقد اصطحب ديمترييف ويتكوف إلى اجتماعات مطوّلة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مكتبة الرئاسة بسانت بطرسبرغ والكرملين، في لقاءات استمرت ساعات وقدمت فيها موسكو تصوراً أولياً لتسوية الحرب يقوم على تنازلات متبادلة في أقاليم دونيتسك وخيرسون وزابوريجيا.

هذه اللقاءات، التي جرت بعيداً عن إشراف وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية، أثارت قلق حلفاء واشنطن في أوروبا الذين اكتشفوا بعض تفاصيلها عبر قنواتهم الاستخبارية. وفي الوقت نفسه، بدأت شركات أميركية وروسية كبرى التحرك بصمت استعداداً لمرحلة “ما بعد الحرب”.

وعقدت “إكسون موبيل” اجتماعاً سرياً مع رئيس “روس نفط” لبحث العودة إلى مشروع “سخالين”، ودرس مستثمرون أميركيون شراء أصول “لوك أويل” المعروضة للبيع بعد خضوعها للعقوبات، كما قدم رجال أعمال روس مقربون من الكرملين ـ ومنهم تيمشينكو وكوفالتشوك وروتنبرغ ـ عروضاً لشركات أميركية للحصول على امتيازات غازية وفرص تعدين في سيبيريا والقطب الشمالي.

وتجاوزت التحركات مجال الطاقة إلى الفضاء، حيث زار رئيس وكالة الفضاء الروسية “روسكوسموس” مركز ناسا في هيوستن ومنشآت “سبيس إكس” في أول زيارة منذ عام 2018، ما اعتُبر مؤشراً إضافياً على وجود تصور لإعادة بناء علاقات استراتيجية متعددة الأبعاد إذا سمحت الظروف السياسية.

وفي منتصف أغسطس، عقدت قمة في ألاسكا جمعت ترامب وروبيو وويتكوف من جهة، وبوتين ولافروف من جهة أخرى، لكنها انهارت سريعاً بعد خطاب طويل من بوتين حول “وحدة الشعبين الروسي والأوكراني”.

ومع ذلك، مازالت موسكو تنظر إلى ويتكوف بوصفه قناة تفاوض غير رسمية لكنها فعالة، بينما ظل الأوروبيون يشككون في أي تعهدات تقدمها روسيا خارج إطار الضمانات الأمنية التقليدية.

وفي أكتوبر، وصل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى واشنطن طلباً لصواريخ “توماهوك”، لكن ترامب كان قد تحدث مع بوتين قبل يوم واحد وقرر عدم تقديمها.

وبدلاً من ذلك، اقترح ويتكوف على الأوكرانيين حزمة اقتصادية تقوم على إعفاء جمركي لمدة عشر سنوات لتعزيز اقتصادهم، مؤكداً أن “التسويات الاقتصادية قد تكون أكثر فاعلية من التصعيد العسكري”.

ومع تسرب نسخة أولية من الخطة المكوّنة من 28 بنداً، ارتفعت حدة الاعتراضات في أوروبا وكييف، إذ اعتبر قادة أوكرانيون وأوروبيون أن الوثيقة تميل بوضوح لمصلحة موسكو وتتعامل مع مستقبل أوكرانيا من زاوية اقتصادية وليس أمنية.

رئيس وزراء بولندا دونالد توسك لخص الموقف بقوله إن هذا “ليس اتفاق سلام، بل اتفاق أعمال”. ورغم تطمينات المتحدثة باسم البيت الأبيض بأن الخطة غير نهائية وأن العمل لا يزال جارياً على صياغة “اتفاق يوقف القتل”، فإن المخاوف الأوروبية لم تتراجع، خصوصاً مع تزايد القناعة بأن واشنطن بدأت تنظر إلى إنهاء الحرب عبر بوابة المصالح الاقتصادية الكبرى لا من خلال الضغط العسكري.