جنيف تستضيف محادثات ويتكوف لتسوية الحرب الأوكرانية
مع تزايد الرهانات على محادثات السلام
- السيد التيجاني
- 23 نوفمبر، 2025
- تقارير
- أوكرانيا, جنيف, روبيو, كييف, محادثات السلام, موسكو, ويتكوف
لم يكن وصول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يرافقه المبعوث ستيف ويتكوف، إلى جنيف حدثًا بروتوكوليًا معتادًا. فالعاصمة الدبلوماسية الهادئة عادةً بدت هذه المرة أكثر توتراً، مع تزايد الرهانات على محادثات السلام المتعثرة بشأن أوكرانيا.
وصول ثقيل الأهمية: جنيف كمسرح دبلوماسي مضغوط
كان واضحًا منذ الساعات الأولى أن الوفد الأمريكي لا يأتي بمجرد مبادرة، بل بـ خطة أمريكية مكوّنة من 28 نقطة أثارت قبل وصولهم جدلاً واسعًا بين العواصم الأوروبية.
ولهذا اكتسب المشهد طابعًا يشبه اختبارًا حقيقيًا لمستقبل التوافق الغربي حول كيفية إنهاء الحرب.
بين ممرات الفنادق الكبرى ومداخل الأمم المتحدة، تناقلت الفرق الصحافية إشارات حول “حدة النقاش” المتوقع، بينما حاول أعضاء الوفد الأمريكي تقديم انطباع بأن واشنطن “تحمل إطارًا حازمًا وقابلاً للتفاوض”. هذا التوازن بين الحزم والمرونة هو ما شكّل محور الساعات الأولى داخل جنيف.
ملامح الخطة المثيرة للجدل
ورغم أن التفاصيل الكاملة للخطة الأمريكية لم تُعلن للعامة بشكل رسمي، فإن النقاط المسربة تشير إلى أنها محاولة لإعادة تنظيم المسار التفاوضي عبر بنود تخص ترتيبات أمنية جديدة، مناطق منزوعة السلاح، آليات مراقبة دولية، وقضايا السيادة والحدود.
أكثر ما أثار التساؤلات هو ما تردد عن بنود تُفسّر على أنها تمنح روسيا “تنازلات سياسية أو ميدانية”، وهو ما دفع عددًا من الدبلوماسيين الأوروبيين إلى التعبير عن تحفظهم العلني.
بدا المشهد كما لو أن واشنطن تحاول صياغة “خط نهاية” للنزاع، في حين تخشى دول أوروبا الشرقية تحديدًا من أي اتفاق “قد يُجمد الصراع دون حل جذري”.
في المقابل، أكد روبيو في تصريحات جانبية أن الخطة “لم تُعد في واشنطن فحسب، بل بمدخلات مباشرة من كييف”، محاولًا نزع فتيل الاتهامات بأنها مبادرة خارجية صرفة.
لكن هذا التأكيد لم يكن كافيًا لإزالة القلق الأوروبي، إذ يرى البعض أن الولايات المتحدة تسعى إلى تسريع الوصول إلى اتفاق قبل أن تتفاقم كلفة الحرب سياسيًا واقتصاديًا داخل المعسكر الغربي نفسه.
ويتحدث مراقبون عن أن الخطة الأمريكية قد تكون مصممة لإحراج الطرفين كييف وموسكو ووضعهما أمام مسؤولية اتخاذ قرار حقيقي، بدل الاعتماد على خطوط تماس ثابتة وحرب استنزاف طويلة. ومع ذلك، فإن أي تنازل، مهما كان تقنيًا، قد يتحول في لحظة إلى أزمة سياسية داخلية، سواء في أوكرانيا أو روسيا.
الديناميكيات الخفية للمواقف الأوروبية
داخل جنيف، كان الصوت الأوروبي متعدّدًا وليس واحدًا. فبينما أبدت بعض العواصم الكبرى—مثل باريس وبرلين ولندن—استعدادًا لإبداء مرونة بحذر، كانت دول أخرى، خصوصًا في أوروبا الشرقية، تبدي تشددًا أكبر.
هذه الدول ترى أن أي انحياز—even لو كان ضمنيًا—لصالح موسكو قد يفتح الباب أمام “سابقة خطيرة” في أوروبا الشرقية، حيث الحدود والأمن تُعدّ مسائل وجودية وليست مجرد ملفات تفاوض.
الدول الأوروبية الوسطى والغربية، من جانبها، باتت تعاني من ثِقل الحرب اقتصاديًا، وهي تراقب صعود تيارات سياسية داخلية تُطالب بطرق “عملية” لإنهاء الصراع. وهنا يظهر التباين:
فريق يريد سلامًا مستدامًا حتى لو كان مكلفًا سياسيًا. والآخر يريد سلامًا سريعًا حتى لو كان هشًا.
هذا الانقسام غير المعلن جعل المحادثات في جنيف أكثر تعقيدًا، حيث يحاول جميع الأطراف إظهار وحدة الموقف الغربي بينما الواقع أكثر تشظيًا.
أما بالنسبة لأوكرانيا، فإن موقفها العام يبقى ثابتًا: أي اتفاق يجب أن يحترم سيادتها ووحدة أراضيها. لكن كييف تجد نفسها مضطرة أيضًا إلى التعامل مع ضغوط الحلفاء، خاصة عندما تصبح المساعدات العسكرية والاقتصادية مرتبطة بسقف المناقشات الدبلوماسية.
آفاق المحادثات: خارطة طريق أم أزمة جديدة؟
بين المفاوضين والمراقبين، ثمة قناعة بأن محادثات جنيف ليست مجرد جولة تفاوضية أخرى؛ إنها أشبه بـ “جلسة تقييم استراتيجية” للحرب كلها.
يسعى روبيو وويتكوف إلى اختبار ردود الفعل وتحديد الخطوط الحمراء واقتراح حلول قابلة للتعديل، لكن حقيقة الأمر أن أي خطة للسلام اليوم يجب أن تمرّ عبر ثلاثة ممرات صعبة:
1. الإرادة الأوكرانية وقدرتها على القبول بتسويات دون خسارة مشروعية داخلية.
2. الاستعداد الروسي للحوار وفق شروط لا تعتبرها موسكو إملاءات.
3. الوحدة الغربية التي بدأت تظهر عليها علامات الإجهاد الاستراتيجي.
وتحليليًا، هناك سيناريوهان رئيسيان يلوحان في الأفق:
السيناريو الأول: نجاح تدريجي للخطة
إذا استطاعت واشنطن إعادة بناء الثقة مع الأوروبيين وإقناعهم بأن الخطة “متوازنة بما يكفي”، فقد تُعقد جولات لاحقة تُمهّد لاتفاق إطار. وقد يشمل هذا الاتفاق ترتيبات أمنية طويلة المدى، مراقبة دولية، وضمانات اقتصادية لإعادة الإعمار.
لكن هذا السيناريو يتطلب قبولاً أوكرانيًا–روسيًا، وهو ما لا يبدو سهلًا في ظل الجمود العسكري والتحفّظ السياسي المستمر.
السيناريو الثاني: تفجّر الخلافات داخل المعسكر الغربي
في حال اصطدمت الخطة بمعارضة أوروبية حادة، فقد تتحول المحادثات إلى ساحة تُظهِر كل الانقسامات الكامنة.
وهذا قد يؤدي إلى:
تأجيل أي اتفاق سلام محتمل.
تعزيز موقف موسكو التي تراهن على تباين المواقف الغربية.
وضع كييف في موقع حساس بين احتياجاتها العسكرية وشروط حلفائها.
وبين السيناريوهين، تبقى “المرونة الأمريكية” و“القدرة الأوروبية على التوافق” هما العاملين الأكثر حساسية في تحديد الاتجاه النهائي.
إن وجود روبيو وويتكوف في جنيف ليس مجرد حدث دبلوماسي، بل هو إشارة إلى أن الولايات المتحدة تسعى للتحوّل من اللعب عبر خطوط الدعم العسكري والسياسي إلى التحكّم في مسار الحل السياسي نفسه.
لكن الطريق أمام واشنطن ليس سهلًا؛ فهي تواجه ثلاث جبهات:
مقاومة أوروبية لبعض بنود خطتها.
حساسية أوكرانية تجاه أي صياغة تبدو وكأنها تنازل قسري.
تشدد روسي تاريخي تجاه أي اتفاقات تمسّ بنفوذها المباشر.
ورغم كل هذه التعقيدات، فإن محادثات جنيف قد تكون بداية مرحلة جديدة—مرحلة لا يُحدّد فيها مسار الحرب على الجبهة فقط، بل خلف الطاولات المغلقة حيث تُصنع التفاهمات الكبرى وتُختبر قدرة الأطراف على صياغة مستقبل المنطقة.