غواصات صنعها تجار المخدرات تتحرك بسرية في غابات كولومبيا

فيلم وثائقي مثير للجدل لصحيفة «إل بايس»

في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملته الصاخبة ضد السفن التي يصفها بأنها «حاملة البام» والتي تتسلل عبر المحيط الهادئ نحو السواحل الأميركية، تفتح صحيفة «إل بايس» نافذة غير مألوفة على عالم ظلّ لسنوات يثير خوف الحكومات ويغذّي شبكات التهريب. ففي فيلم وثائقي جديد، تنفذ الصحيفة إلى قلب الغابات الكولومبية، حيث تتشكل واحدة من أكثر طرق التهريب سرية وتعقيداً في العالم: غواصات المخدرات شبه الغاطسة.

هذه المركبات، التي تبدو أشبه بكائنات معدنية زاحفة تشقّ الممرات المائية، تتوارى داخل الأنهار المتشابكة التي تقطع الغابات الكثيفة. هناك، في ذلك العالم المظلم المغمور بالرطوبة والوحل والظلال الكثيفة، بدأت قصة «الغواصات البدائية» التي صنعها تجار المخدرات منذ أكثر من عشر سنوات، قبل أن تتحول إلى سلاح لوجستي متطور قادر على نقل أطنان الكوكايين إلى مسافات بعيدة في أعالي البحار.

كاميرات تتوغل في أخطر منطقة تهريب

يرافق الفيلم الوثائقي وحدات من الجيش الكولومبي وهي تتقدم عبر الغابة الحرجية، مستخدمة زوارق صغيرة ومعدات بسيطة لشق طريقها وسط فروع الأشجار، ودوامة الطين، والأنهار الضيقة المتعرجة التي هي بمثابة ممرات السرية لهذه الغواصات.

المشهد ليس مجرد مطاردة تقليدية. إنه عمل استخباراتي مكثّف يعتمد على مراقبة حركة المياه، تتبع تغيّر التيارات، والاستماع إلى أصوات المحركات المخنوقة تحت السطح. هناك، تظهر ورش التصنيع السرية التي تُبنى غالباً في أعماق لا يصل إليها سوى أفراد العصابات ومن يجرؤون على التعاون معهم.

ففي قلب الغابة، يشاهد الفريق الهياكل المعدنية التي تُلحم يدوياً، باستخدام وسائط بدائية، لكنها فعّالة بشكل مذهل. وتكشف اللقطات مراحل تصنيع الغواصة، من تشكيل البدن إلى تجهيز المساحات الضيقة التي سيقضي فيها الطاقم أسابيع طويلة.

كيف تُبنى الغواصات؟

يوضح الوثائقي بالتفصيل كيف تُصنع هذه الغواصات التي تجمع بين البساطة والخطورة. فهي ليست غواصات عسكرية بمعايير احترافية، لكنها ليست أيضاً مجرد قوارب بدائية.

خصائصها الأساسية:

  • هيكل منخفض الظهور، لا يبرز فوق سطح الماء إلا بضع سنتيمترات.

  • محرك ديزل معزول لتقليل الضوضاء.

  • خزانات وقود ضخمة تكفي لرحلات تمتد آلاف الكيلومترات.

  • سعة تحميل عالية تصل إلى عدة أطنان من الكوكايين.

  • طاقم صغير يعمل في مساحة خانقة بلا نوافذ.

هذه الغواصات، رغم أنها “شبه غاطسة”، يمكنها الإبحار من الغابات الكولومبية مروراً بالمحيط الهادئ وحتى قرب السواحل الأميركية دون رصد، إلا إذا صادفتها دوريات جوية أو بحرية متقدمة.

الصراع على المحيط… بين واشنطن وكولومبيا

يربط الوثائقي بين تنامي هذه الغواصات وبين التصريحات السياسية في واشنطن. فترامب جعل من «السفن المريبة» جزءاً مركزياً في حملته ضد المخدرات، معتبراً أنها رمز لفشل الحكومات السابقة في حماية الحدود البحرية.

لكن على الجانب الآخر، يرى المسؤولون الكولومبيون أن هذه الغواصات ليست مجرد سفن تهريب، بل صناعة كاملة تديرها شبكات منظمة تملك الخبرة والمال والدعم اللوجستي. وتشير القوات الكولومبية إلى أن كل غواصة يتم ضبطها، يقابلها اثنتان أو ثلاث تنجح في العبور.

يروي الوثائقي شهادات مباشرة من أفراد البحرية الكولومبية والشرطة المختصة بمحاربة تهريب المخدرات. يحكي الجنود عن رحلات تمتد لأيام داخل الغابات، وعن مواجهات صامتة مع عصابات تمتلك تسليحاً يفوق أحياناً تسليح الدوريات الرسمية.

ويؤكد ضابط كولومبي أن «كل غواصة يتم اكتشافها هي ضربة موجعة لشبكات تمتلك قدرة مالية لتنفيذ ما يشبه المشاريع الصناعية داخل الغابات».

بعد مرورها عبر الأنهار، تنطلق الغواصات نحو المحيط الهادئ، حيث تكون مهمتها الأكثر خطورة: عبور المياه الدولية محملة بأطنان من الكوكايين، ثم تسليم الحمولة إلى سفن أكبر، أو الوصول إلى نقاط تفريغ قرب المكسيك والولايات المتحدة.

ورغم الجهود المشتركة بين واشنطن وبوغوتا، لا تزال هذه الغواصات واحدة من أخطر وسائل التهريب التي يصعب كشفها أو اعتراضها.

يوثق التقرير رحلة نادرة إلى داخل واحدة من أكثر العمليات الإجرامية تعقيداً في العالم. فالغواصات شبه الغاطسة ليست مجرد وسائل نقل، بل هي تجسيد لصراع طويل بين شبكات المخدرات والدول، وصورة مرعبة لقدرة العصابات على تطوير أدوات حديثة في قلب الغابات البدائية.