الانقسامات الفلسطينية تتصاعد
التنافس مستمر بين فتح وحماس
بينما تفتح واشنطن قنوات الاتصال مع حماس، يحذر المحللون من دفع مدعوم من الولايات المتحدة نحو مزيد من التشرذم الفلسطيني.
وأثار الإعلان الأخير للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف عن نيته لقاء زعيم حماس في غزة خليل الحية، تكهنات حول هدف مثل هذه المحادثات في وقت لا يزال فيه تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار متوقفا.
ويعتقد أن جثث عدد من الأسرى الإسرائيليين لا تزال محاصرة تحت الأنقاض في غزة، مما يؤخر التقدم على الأرض وفي المناقشات الدبلوماسية في الأمم المتحدة وبين الجهات الفاعلة السياسية العربية والفلسطينية.
بالنسبة للعديد من الفلسطينيين، أثار الاجتماع المرتقب نقاشاً حاداً، خاصة في ظل الانقسام المستمر والتنافس المستمر بين فتح وحماس، والذي اتسم بالاتهامات المتبادلة على الرغم من الدمار في غزة.
على مدار الحرب الإسرائيلية على غزة، قُتل أكثر من 68 ألف فلسطيني، وجُرح نحو 200 ألف آخرين، ونزح ما يقرب من مليوني شخص، ودُمر ما يقرب من 90% من القطاع.
يرى المحللون أن لقاء ويتكوف والحية يحمل تداعيات سياسية أعمق. فبينما قد يُنظر إلى إدارة ترامب على أنها تسعى للدفع بخططها في غزة في ظل المقاومة الإسرائيلية، يرى بعض المراقبين أن الجانبين ينسقان بشكل وثيق في الواقع.
ويشيرون إلى أن الحديث العلني عن الخلافات أو التوترات هو جزء من استراتيجية أميركية إسرائيلية مشتركة، محذرين من أن الفصائل الفلسطينية يجب أن تتجنب الانجرار إلى مثل هذه المناورات، وأن تعمل بدلاً من ذلك نحو عمل سياسي موحد لمواجهة ما ينتظرنا.
أعربت مصادر سياسية إسرائيلية نقلا عن وسائل إعلام عبرية عما أسمته “قلقا متزايدا” إزاء “التقارب المقلق” المزعوم بين المبعوث الأميركي وقيادة حماس.
وبحسب هذه المصادر، فإن تل أبيب تراقب عن كثب الاتصالات التي يقودها ويتكوف في المنطقة، وترى في ما يبدو أنه تضييق في الخلافات بين الجانبين مصدرا محتملا للضغط السياسي والدبلوماسي الإضافي على إسرائيل فيما يتعلق بمسار وقف إطلاق النار وجهود إعادة الإعمار، حسبما ذكر موقع “واللا” الإخباري الإسرائيلي.
ويأتي ذلك بعدما كشفت صحيفة نيويورك تايمز، الجمعة، أن لقاء ويتكوف والحية من المتوقع أن يركز على المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وفي تقرير متصل، قالت القناة 13 الإسرائيلية، السبت، إن واشنطن تضغط من أجل المضي قدما بالمرحلة التالية من “خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة”.
وأشارت القناة وشبكة CNN الأميركية إلى “خلافات جوهرية” بين إسرائيل والولايات المتحدة حول كيفية تنفيذ هذه المرحلة، مشيرتين إلى أن واشنطن تريد المضي قدماً، وإغلاق ملف مقاتلي حماس في رفح، وإدخال مسار سياسي نحو إقامة دولة فلسطينية، رغم أنها لم تحدد نوع الدولة التي تتصورها لغزة بعد الحرب.
ولا يزال الاقتراح الأميركي في الأمم المتحدة للانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، بما في ذلك نشر قوة دولية في غزة، يحظى بدعم من الوسطاء العرب والمسلمين الرئيسيين، وخاصة قطر ومصر وتركيا، التي تسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار والدفع نحو عملية سياسية تؤدي في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية.
أسس قديمة: يقول المحلل السياسي وخبير الشؤون الفلسطينية نجيب فراج إن التقارب المتوقع بين الولايات المتحدة وحماس ليس مجرد مبادرة من ويتكوف، بل هو متجذر في التخطيط الاستراتيجي الأميركي الطويل الأمد، وربما يشمل وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، ويرتكز على مبدأ المفاوضات المباشرة مع الخصوم.
وأشار إلى أن مثل هذه الأساليب تكثفت في ظل الإدارات الجمهورية، وخاصة في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أجرى محادثات مباشرة مع أعداء الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، بما في ذلك الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون.
قال فراج إن المنطق نفسه طُبّق تاريخيًا في منطقة الشرق الأوسط. فبينما صنّفت إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية منظمةً إرهابيةً ينبغي القضاء عليها، سعت الولايات المتحدة سرًا إلى إيجاد قنوات للتواصل معها في عملية تسارعت قبل اتفاقيات أوسلو في التسعينيات، وتُوّجت في النهاية بالاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.
صرح فراج لصحيفة الأهرام الأسبوعية أن واشنطن تعتبر حماس قوة سياسية رئيسية تتمتع بدعم شعبي واسع، مما يجعل التواصل المباشر مع الحركة ليس ضروريًا فحسب، بل مفيدًا استراتيجيًا أيضًا. وأشار إلى أنه على الرغم من أن حماس والولايات المتحدة لم تفتحا قناة اتصال رسمية إلا بعد حوالي ستة أشهر من بدء الحرب الحالية، إلا أن الاتصالات السرية كانت قائمة على الأرجح قبل ذلك بكثير.
وأضاف أنه بعد الانقسام بين الفصائل الفلسطينية عام 2007، كانت هناك مقترحات، ربما بدعم من الولايات المتحدة وإسرائيل، لمنح حماس سلطة جزئية بشكل أو بآخر، وهي العملية التي أدت في نهاية المطاف إلى تعزيز الحركة لحكمها في غزة وبناء جناح عسكري كبير.
وزعم فراج أن واشنطن وتل أبيب ربما تريان الآن قيمة في الحفاظ على سلطتين فلسطينيتين منفصلتين، واحدة في غزة وأخرى في الضفة الغربية، مشيرا إلى أن إسرائيل رفضت تقريبا كل مقترح لحكم غزة بعد الحرب، سواء كانت لجنة تكنوقراطية، أو هيئة بقيادة الأمم المتحدة، أو إدارة دولية، أو قيادة فتح/منظمة التحرير الفلسطينية.
لكن المحللين يحذرون من أن المشهد السياسي المتطور قد يعيد تشكيل النظام السياسي الفلسطيني بالكامل.
إذا انضمت حماس إلى الخطط الأميركية التي تمكنها من إعادة التوسع في غزة بعد الحرب، فقد يثير هذا تساؤلات خطيرة حول مستقبل السلطة الفلسطينية، التي عارضت مراراً وتكراراً المقترحات الأميركية التي تعتقد أنها تقوض الحقوق الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك إنشاء دولة على حدود عام 1967.
صرّح محمد اللحام، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، لصحيفة الأهرام الأسبوعية، بأن فتح لا تستغرب التقارب المتزايد بين الإدارة الأمريكية وحماس. وأضاف أن الحركة سعت منذ زمن إلى هذا التقارب، انطلاقًا من الروابط التاريخية بين الإخوان المسلمين وواشنطن.
وأشار إلى أن حماس احتفلت ذات مرة بلقاء مع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، حيث تفاخر زعيم حماس إسماعيل هنية آنذاك بأن الحركة “اختراقت الإدارات الأميركية”، في حين انتقدت الحركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لعقده لقاءات رسمية مع مسؤولين أميركيين.
جادل اللحام بأن الهدف الأساسي لحماس هو الحفاظ على ذاتها، مشيرًا إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة سعت بالمثل إلى الحفاظ على الجماعة كفاعل فعال ضمن إطار إقليمي خاضع للتأثير الأمريكي. وأضاف أن قطر وتركيا، حيث يقيم قادة حماس حاليًا، تلعبان أدوارًا استراتيجية تتماشى مع المصالح الإقليمية الأمريكية.
ويرى مسؤولو فتح أن المبادرات الناشئة بين حماس وواشنطن تشكل جزءاً من استراتيجية أميركية أوسع نطاقاً تهدف إلى ضمان القبول السياسي لحماس وجماعة الإخوان المسلمين في مختلف أنحاء المنطقة.
وقال اللحام إن حركته، إلى جانب عدد من الفصائل الفلسطينية الأخرى، اتخذت موقفاً واضحاً وثابتاً تجاه واشنطن، ورفضت “صفقة القرن” التي طرحها ترامب خلال ولايته الأولى، ونأت بنفسها عن الضغوط السياسية الأميركية.
وقال إن التسامح الأميركي مع وجود حماس في غزة بعد الحرب هو “مؤشر واضح” على الخطة الاستراتيجية الأوسع لواشنطن، مضيفاً أن فتح تعتقد أن مشاركة حماس مع واشنطن، وخاصة في خضم صراع نشط، تضر بالقضية الوطنية الفلسطينية.
وقال تيسير نصر الله، عضو المجلس الثوري لحركة فتح، للصحيفة الأسبوعية إن الجهود المبذولة لإبعاد السلطة الفلسطينية عن الترتيبات الخاصة بمرحلة ما بعد الحرب في غزة، وخاصة في ظل المحادثات المباشرة بين ويتكوف والحياه، “مشبوهة وغير مقبولة”.
وقال إن هذه المحاولات تشكل “استمراراً للسياسات الأميركية الهادفة إلى تقويض الشرعية الفلسطينية”، مستشهداً برفض واشنطن منح عباس تأشيرة لمخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة وعدم اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية.
قال نصر الله: “هذه مناوراتٌ تهدف إلى الالتفاف على منظمة التحرير الفلسطينية، الجهة الوحيدة القادرة على ضمان الاستقرار في المنطقة”. وأضاف: “لا استقرار مستدام دون حلٍّ عادل للقضية الفلسطينية، والذي يتطلب إنهاء الاحتلال. وتبقى فتح الحركة الوحيدة القادرة على تحقيق هذا الاستقرار، ولذلك تستهدفها كلٌّ من واشنطن وإسرائيل”.
وحذر من أن التقارب بين حماس والإدارة الأميركية يمثل “محاولة لتقويض الحقوق الفلسطينية”، وحث حماس على التصرف “بمسؤولية وطنية وليس بمصالح حزبية”.
وقال فراج إن حماس وفتح يجب أن تتحملا مسؤولية إنهاء الانقسام المستمر بينهما، محذرا من أن واشنطن وتل أبيب تستغلان التنافس بينهما.
وقال فراج، مستعيداً حلقات العنف الفلسطيني الداخلي في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وما قبله، إن “إسرائيل والولايات المتحدة لا تكتفيان بالحفاظ على الانقسام؛ بل تخططان لمواجهة داخلية محتملة”.
وحث كلا الفصيلين على إعطاء الأولوية للوحدة، قائلا: إذا لم يفعلوا ذلك، فسيتحملون مسؤولية ترسيخ الانقسامات. لطالما شجعت إسرائيل والولايات المتحدة الصراع الداخلي، وعلى الحركتين التحرك الآن لمنع تكرار مآسي الماضي.