هل أحمد الشرع خائن وعميل؟ (مقال)

حكم الانضمام إلى تحالف يستهدف جماعة مسلمة

علي عبدالرازق

أحمد الشرع: وافق على انضمام سوريا إلى التحالف الدولي الذي أُسِّس لمحاربة تنظيم الدولة، والذي أُطلق عليه “داعش”
وزير الإعلام السوري قال إن الانضمام سياسي وليس عسكريًّا في الوقت الحالي، ولن تشارك سوريا في عمليات “العزم المتأصل”، التي تقودها غرفة العمليات العسكرية للتحالف.
هل شرعًا يجوز له الانضمام إلى تحالف يستهدف جماعة مسلمة منحرفة، يميل قادتها إلى تكفير المجتمعات؟
يثير هذا السؤال جدلاً واسعًا بين بعض العلماء المسلمين، وبعض المحللين والمتابعين للشأن السوري.
الأزهر في مصر لم يُكفِّر “داعش”، وكذلك غالبية علماء الأمة (مثل علماء السعودية والأردن). وقد قال بعض الدعاة إن الانضمام إلى تحالف دولي ضد “داعش” جائز شرعًا إذا كان للحفاظ على الأمن والاستقرار، ويجيزه آخرون بشرط عدم التنازل عن السيادة الإسلامية أو السماح بقواعد عسكرية أجنبية دائمة.
ومع ذلك، يرى علماء آخرون أن ذلك مخالف للإسلام، لأنه “تحالف مع الكفار ضد المسلمين”، حتى لو كانوا منحرفين، ويُفضِّل بعض الفقهاء الاستقلال في مكافحة الإرهاب دون تبعية أجنبية.
يقول بعض العلماء إن الانضمام يُعرِّض المسلمين للتبعية الغربية، ولا يُحارَب التنظيم بتحالف كفّار، بل بجهاد داخلي.
أما بعض المقربين من أحمد الشرع فيقولون إن الانضمام الآن جائز ومفيد (رأي الغالبية السورية)، لأنه يُمكِّن سوريا من الاطلاع على خطط التحالف، وأسماء الأشخاص المراقبين، ويُساعد في تتبعهم وقتلهم إن كانوا أعداء، أو إنقاذهم إن كانوا أصدقاء، مما يعزز الأمن السوري، ويُزيل عقوبات أمريكية مثل قانون “قيصر”.
وفي سياق آخر، يواجه الرئيس السوري أحمد الشرع اتهامات بتسليم المجاهدين وإعطاء الضوء الأخضر لقتلهم، وكثيرون يتهمون الحكومة السورية الجديدة بأنها بدأت في تسليم “المجاهدين” (مثل أعضاء فصائل سابقة) للتحالف، وأعطت الضوء الأخضر للأمريكيين لتنفيذ غارات قتلت أشخاصًا بناءً على تاريخهم القتالي.
ومع ذلك، لا توجد أدلة قوية تؤكد هذه الاتهامات؛ فسوريا ليست في وضع يُجبرها على ذلك، والتحالف نفسه لا يملك نفوذًا كافيًا لإجبارها حاليًّا.
التنسيق الأمني والاستخباراتي السوري مع أمريكا لا يمكن أن يكون وليد اللحظة، واللقاءات أو المفاوضات التي حدثت قبل تحرير سوريا ربما ساعدت كثيرًا في إقبال العالم على الموافقة على التعامل مع أحمد الشرع.
وقال الشيباني، وزير الخارجية السوري الحالي، إنهم كانوا يتواصلون مع الروس قبل تحرير سوريا، فما الذي يمنع أن تكون الهيئة قد جلست وتحدثت وتفاوضت مع الأمريكيين كما يقولون؟
ولكن ثمة فرق كبير بين تفاوض بندية، وبين تلقي أوامر بتبعية.
الصحف الأجنبية العالمية الكبرى أرادت إثبات عمالة أحمد الشرع وعمله في خدمتهم منذ 2016، وأن أحمد الشرع رجلهم، ولذلك وافقوا عليه ولا يرون في وصوله إلى الحكم واستقراره مشكلة كبيرة.
وهذا الإصرار على إثبات هذه الفرضية ونشر هذه السردية لا شك سيغذي عقول الذين يرونه عميلاً لأمريكا وإسرائيل، وسيعطيهم الدليل على ذلك، وسيقوي روايتهم التي لن يتنازلوا عنها مهما فعل أحمد الشرع لإثبات العكس.
المخابرات الأمريكية تستطيع تجنيد أشخاص لا يمكن حصرهم في عشرات الدول، ومساعدة الكثيرين منهم للوصول إلى مناصب كبيرة، وربما إلى أكبر المناصب على الإطلاق، ولدى المخابرات الأمريكية قدرة على اختراق صفوف الجماعات المسلحة، ولكنها لا تغدر برجالها ولا تكشفهم هكذا ولا تضعهم في خطر، بل تسعى إلى عدم إظهار علاقتها بهم، ولا تنشر عنهم ما لا يمكن تفسير حقيقته.
أحمد الشرع انسحب تنظيميًّا من تنظيم القاعدة برغبة تركية لتسهيل انضمام فصيله إلى الحوارات التي دارت بين تركيا وروسيا وإيران بخصوص حل الخلافات مع بشار الأسد، والوصول إلى حكومة مشتركة من رجال بشار ورجال أحمد الشرع، الجولاني في ذلك الوقت
وهذه كانت خطة أردوغان السياسية، والتي إن لم تنفذ بالاتفاق فلن يكون ثمة مفر من الدخول في حرب ضد روسيا وإيران في سوريا.
أحمد الشرع لا يمكن أن يكون عميلاً لا لليهود ولا للأمريكيين، ولا يوجد دليل واحد يثبت ذلك، ولكن يوجد ألف دليل يثبت أن أحمد الشرع، وهو يقود إدلب، تواصل مع الجميع بمن فيهم الروس، ولم يكن الكلام في الكواليس دبلوماسيًّا فحسب، بل عسكريًّا أيضًا.
وقد قال الشيباني للروس: “سندخل دمشق في 48 ساعة”، ولما حكى ما قال للروس لأحمد الشرع، قال له أحمد الشرع: “قد يستغرق الأمر 10 أيام”، وأثناء التحرير استغرق الأمر 36 ساعة، وهذا ما اعترف به الشيباني.
تُشير التقارير إلى أن التعاون الاستخباراتي السابق (منذ 2016) كان سريًّا ومستقلًّا، لكن الرئاسة السورية نفت ذلك مؤخرًا، مؤكدة أن أي إجراءات كانت داخلية دون تنسيق أجنبي.
هل باع أحمد الشرع القضية السورية وأصبح أكثر تناغمًا مع الغرب، إلى درجة تسليم مقاتلين للموت على يد الأمريكيين؟
الإجابة: لاتوجد أدلة والانضمام إلى التحالف لايثبت “بيع القضية”، ولكنه يعكس براغماتية سياسية مؤقتة لإعادة بناء الدولة بعد سنوات من العزلة.
سوريا اليوم تنعم في دمشق وحلب وحمص بكهرباء كانوا يُحرمون منها طوال اليوم، ودارت عجلة الإنتاج إلى حد ما، وأحمد الشرع رفض تقييد سوريا بالقروض ورَهْن مستقبلها بصندوق النقد، وفلت من هذا الفخ
وفقًا لتقارير “نيويورك تايمز”، قدَّم أحمد الشرع دعمًا استخباراتيًّا سريًّا للتحالف ضد “داعش” والقاعدة، ووفقًا للواقع الذي عاش فيه أحمد الشرع، فإنه قاتل كل من وقف في طريقه، فهو بطبعه قائد صدامي يترك فرصة للحوار، وإلا فالحرب.
ودخوله في معارك ضد بعض التنظيمات التي تكرهها أمريكا لا يعني أنه جاء ليقضي على فكر القاعدة أو تدمير فكرة الجهاد، أو ارتكاب إبادة جماعية في صفوف الجهاديين، فهذه خيالات وسيناريوهات لا تجوز ولا تصح ولا تدعمها أدلة.
هذا التحول الظاهري الشكلي في سياسة أحمد الشرع جعله شريكًا للغرب، خاصة بعد إزالة اسمه من قوائم الإرهاب في نوفمبر 2025، وتعليق عقوبات “قيصر” لـ180 يومًا، وقد حصد بالفعل مكاسب سياسية واقتصادية، بالإضافة إلى مساعدته سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا من تركيا وقطر والسعودية، وقد منحهم أحمد الشرع بتغييره فرصًا لدعمه
وهذا الفعل وهذا التغيير ليس الأول لأحمد الشرع.
أحمد الشرع تغيَّر عندما أخبرته تركيا أن هذا التغيير ضروري وسيفيدهم كثيرًا في تعريف الناس به وبإدلب، وبإدخاله معهم في المفاوضات، وكان تحايلاً على العقوبات المفروضة على كل من يتعامل مع القاعدة أو يدعمها.
وقد كان أحمد الشرع في ذلك الوقت من تنظيم القاعدة، وتنظيم القاعدة ليس مذهبًا ولا دينًا تركه أحمد الشرع، بل ترك العمل تحت قيادة القاعدة، وجعل منها قاعدة محلية، ويبقى الفكر هو الفكر، ويبقى الهدف هو الهدف، وتبقى العقيدة هي العقيدة.
ولذلك تغيَّر أحمد الشرع وذهب مع الأتراك في تنسيق عميق بدا واضحًا عندما جاءت الفرصة.
أحمد الشرع كان يراقب الموقف، ورأى الروس وقد غرقوا في وحل الحرب في أوكرانيا، ورأى إسرائيل وهي تدمر حزب “حسن نصر الله” تدميرًا، ورأى الحكومة السورية وقد أصبحت هشة تقوم على تجارة المخدرات، وقد قال بنفسه قبل الحرب إن نظام بشار وجيشه لا يساويان شيئًا بدون القوة الجوية الروسية.
وقد كان الشرع قادرًا على إعلان الحرب قبل أشهر، إلا أنه رفض فعل ذلك بينما حزب الله بقيادة حسن نصر الله في حرب مع اليهود، وغزة تستفيد منها، ولم تتحرك قواته على الإطلاق إلا بعد استسلام الحزب وانسحابه رسميًّا من المعركة، واختفى السبب الوحيد الذي كان يمنعه، وهو الغدر بحزب الشيعة وقتالهم في وقت انخرطوا فيه هم بمعركة مع اليهود لصالح غزة
فلم يغدر بهم ولم يغدر بغزة، وتحرك فقط عندما أصبح حزب الله بلا معارك. ولكن لم يكن الحزب في ذلك الوقت هو الحزب، فقد قضى البيجر على صفوته، وقتل كل قادته، وحسن نصر الله نفسه قد دُفن في أعماق الأرض، وكان انتصاره في أشهر هو الشيء المنطقي، غير أن الله أراد الخير للسوريين، وقذف الرعب في قلوب أعدائهم، فانتصروا وفتحوا بلاد الشام في أيام
يعني أحمد الشرع هو فاتح الشام، وهذه ليست إشاعة بل واقع عشناه ورأيناه، ومعارك قادها ونهاية وصل إليها، فهو الذي اختاره الله من بين المسلمين ليكون قائد هذا الفتح.
وهذا بالمناسبة لا يعني أنه شخص معصوم أو أنه خير الناس وأصلح المصلحين، هو فقط فاتح سوريا ومحررها، ولم يفعل ذلك وحده بل بمساعدة عشرات الآلاف من المقاتلين وملايين السوريين الذين آمنوا به كمحرر، وهم اليوم بأغلبيتهم راضون عن حكمه، بل ومتقبلون لأخطائه.
أنا لست ضد أي شخص يرى في الشرع ألف عيب، والشرع نفسه حي يرزق وليس في أمان من الفتن ومن الانتكاسات، وقد يقع في أخطاء قاتلة، وما من قائد في التاريخ إلا وله أخطاء، منهم القائد الصحابي أسامة بن زيد، والقائد خالد بن الوليد، رضي الله عنهما، وهؤلاء صحابة كرام، فما بالك بمن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين والذين كانوا قيادات في القرون الأولى التي هي خير القرون.
لم يمر عام بعد على حكم أحمد الشرع، ولم يقبل حتى بانسحاب اليهود وجعل المنطقة بدون سلاح، ولم يخضع لابتزازات اليهود وطلباتهم لا في السويداء ولا في الجولان، ولم يوافق للأمريكيين على مطالبهم بخصوص “قسد” التي تنفق أمريكا عليها وتدفع رواتب مرتزقتها، فهو يحاور أفاعي وثعابين ويناور بسوريا في عالم مفخخ
نسأل الله أن ينصره ويصحح أخطاءه ويرشده إلى ما فيه الخير للشام وأهلها.
أحمد الشرع قد يُقتل في أي وقت، وقد يعيش سنوات لن يكون فيها ترامب ولا نتنياهو في السلطة، وقد يتأخر أردوغان للخلف ويصعد هاكان فيدان للحكم كما يخطط أردوغان، وقد يتغير الكثير في المنطقة، وتصبح الأسئلة المثارة اليوم بلا وجود.
أستطيع كتابة مقال أجمع فيه ما أراه أخطاء للحكومة السورية، ولكن ما الفائدة إذا كان وجود هذه الحكومة أصبح نعمة في حياة السوريين، مع الأخذ في الاعتبار أن سوريا من الداخل أصبح لها صورة تميل إلى الإسلام بشكل كبير، فقد ظهر دعاتها وعُلِّم شبابها، وبدأ تحفيظ القرآن فيها يسير في مسار غير مسبوق، وانتشر النقاب فيها بشكل كبير، ولم يعد ثمة من يخشى من إطلاق لحيته، وجوائز حفظ القرآن تنتشر في المعسكرات والكتائب
فما يتم تجهيزه والاستعداد له على الأرض يختلف كثيرًا عن الصورة التي يمكن رؤية سوريا بها من خلال لقاءات وزيارات واتفاقيات وصور أحمد الشرع.
قلت من قبل هنا إن كل يوم يمر على سوريا دون دخولها في حرب هو مكسب لها، فلو مر عام وعامان وأكثر على سوريا بدون حرب فذاك أكبر انتصار لها، لأن الاستعدادات للحرب التي تخوضها الجيوش دون تعريض البلاد للدمار تحتاج إلى الكثير والكثير والكثير.
فلا شك أن بقاء نظام أحمد الشرع في السلطة وعدم دخوله في حرب كبرى انتصار، ما لم تصبح الحرب وجوبية أو اضطرارية.
سوريا دولة انتصرت، وتحرر شعبها، وأكبر نجاح لها أن تحمي نفسها حتى تصبح قوية وتحمي ما حولها، وهم سيحاولون كثيرًا إعاقتها وتكبيلها بما يعقد ويصعب استقرارها، ولكن لا يجوز الخضوع للغرب ولا السماح له بتعدي حدوده، ولا القبول بسياساته وثقافاته “المعادية والمخالفة للإسلام” لأنها لن تعود على سوريا بخير.
السوريون في اختبار حقيقي أمام الله الذي نصرهم وأعزهم وأراهم ما يحبون، وشكر الله لا يمكن أن يكون سوى بالالتزام بدينه ونصرته والعمل به وتحكيمه.
ملحوظة: المقال مجرد معلومات وليس رأي.