“تمر الضيافة”.. حين يصبح الغذاء حاجة والشباب قادة

مهند بشرى مساعد يكتب

في يونيو/حزيران من العام الماضي، اشتدت الحرب في وسط السودان، وشكلت واقعا مأساويا أصبح حديث الإعلام العالمي، وامتلأت منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة بالفيديوهات والصور، التي توثق للوحشية التي تعامل بها جنود “الدعم السريع” مع المدنيين هناك.

آلاف المواطنين لاذوا بالفرار مذعورين لولاية القضارف المجاورة، والمشهد العام كان يكتنفه الحصار الخانق الذي لوح بأشباح المجاعة، وأشاع حالة من اليأس العميق في نفوس السودانيين، بينما كانت الجهود الإغاثية الدولية، ممثلة في جهود الأمم المتحدة والمنظمات الكبرى، تصارع تحديات الوصول والقيود البيروقراطية.

وسط هذا الموج الهائل من المعاناة، وفي الوقت الذي برز فيه اجتهاد المنظمات المدنية ومجتمع القضارف المدني لتوفير الغذاء والإيواء والدواء، خرجت مبادرة مختلفة، لامعة ومبتكرة، يقودها طبيب شاب حديث التخرج من جامعة الخرطوم، هو الدكتور منتصر موسى مساعد، الذي لم يكتفِ بتقديم المعتاد، ولكن سعى لتقديم البركة والقيمة الغذائية في قالب إغاثي جديد أطلق عليه اسم: “تمر الضيافة”.

كان اختيار التمر عنصرا أساسيا في المبادرة قرارا مدروسا ومبنيا على أسس علمية وروحية عميقة؛ لم يكن الهدف مجرد ملء بطون النازحين، ولكن لتوفير غذاء ذي كفاءة عالية، يمكن تخزينه وتوزيعه

الدكتور منتصر موسى أخذ زمام المبادرة وبدأ بالنشر على صفحته الشخصية على منصة فيسبوك، داعيا أصدقاءه ومعارفه للمساهمة في هذا العمل الإغاثي عبر حساب بنكي معين، ويشارك في ذات الصفحة تقارير يومية عن مشروعه الذي استمر تنفيذه لثمانية أيام، حسب التقارير الواردة في صفحته.

وكان أحد الشعارات التي رددها منتصر في حملته: “من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، لا يذهب العرف بين الله والناس”.

تمر الضيافة: رؤية لوجيستية في زمن الأزمة

كان اختيار التمر عنصرا أساسيا في المبادرة قرارا مدروسا ومبنيا على أسس علمية وروحية عميقة؛ لم يكن الهدف مجرد ملء بطون النازحين، ولكن لتوفير غذاء ذي كفاءة عالية، يمكن تخزينه وتوزيعه بسهولة في ظروف الحرب القاسية.

وقد وثقت ما يجري تقارير الدكتور منتصر على صفحته في فيسبوك، والتي كانت بمثابة سجل يومي للعمل الميداني، وقد تميزت هذه المبادرة بالدقة والكفاءة اللوجستية التي تليق بمشروع يقوده طبيب، ويراعي:

  • استهداف الحاجة النوعية: ركز الفريق على توزيع التمر كغذاء ومصدر مركّز للطاقة، فتم شراء وتعبئة أنواع سودانية شهيرة مثل البركاوي والقنديلة.
  • التوزيع الإستراتيجي: تجاوز التوزيع العشوائية؛ حيث تم توزيع آلاف الأكياس الجاهزة على نقاط الاستقبال الرئيسة للنازحين، مثل ارتكاز الطريفي.
  • دعم الشريان الحيوي: كما هو موضح في التقارير، لم يقتصر تسليم التمر على الأسر النازحة مباشرة وحسب، بل شمل أيضا تسليم كميات كبيرة إلى المطابخ المركزية التي تقدم بدورها خدمات للنازحين، والأهم من ذلك تسليم 100 كيس مخصصة للجرحى والمصابين بالسلاح الطبي (المستشفى العسكري)، وهذه لفتة إنسانية رائعة.

هذا الاستهداف الدقيق للفئات الأكثر حاجة في نقاط الإسعاف يُبرز الحس القيادي والإنساني لهذه المبادرة.

التمر هو غذاء مركّز للطاقة بامتياز، حيث يحتوي على نسبة عالية جدا من الكربوهيدرات والسكريات الطبيعية سريعة الامتصاص (تصل إلى 75% من وزنه)

التمر: غذاء النجاة.. الحجة العلمية والبركة النبوية

عندما تنهار البنية التحتية وتتوقف سلاسل الإمداد، كما حدث في السودان، يصبح الغذاء الذي يوفر أقصى قيمة غذائية بأقل وزن وأطول فترة حفظ هو غذاء النجاة.

وهنا تتجلى الحكمة البالغة في اختيار التمر، مدعومة بخلفية الدكتور منتصر الطبية:

  • وقود الطاقة الفوري: التمر هو غذاء مركّز للطاقة بامتياز، حيث يحتوي على نسبة عالية جدا من الكربوهيدرات والسكريات الطبيعية سريعة الامتصاص (تصل إلى 75% من وزنه).

هذا يجعله مصدرا مثاليا لإمداد النازحين المنهكين بطاقة فورية سريعة الهضم، لمقاومة الإرهاق البدني والنفسي.

  • حماية الأجهزة الحيوية: التمر ليس مجرد سكر، بل هو كنز من المعادن؛ فهو من أغنى المصادر بالبوتاسيوم، وهو عنصر حيوي للحفاظ على توازن السوائل وحماية القلب في ظروف الإجهاد.

كما أنه يحتوي على الحديد الذي يساهم في مكافحة فقر الدم (الأنيميا)، وهي حالة تتفاقم بشدة في أوقات الأزمات وسوء التغذية.

  • صديق الجهاز الهضمي: بفضل محتواه الجيد من الألياف الغذائية، يساعد التمر على تنظيم عمل الجهاز الهضمي، وهو أمر ضروري لتجنب الاضطرابات الشائعة في أماكن الإيواء المزدحمة.

من هذا المنطلق العلمي، تتجلى الحكمة في السنة النبوية التي جعلت التمر غذاء رئيسا في حياة المسلم. فقد أوصى به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ليكون قوتا أساسيا في البيت، قائلا: “يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله”، إقرارا بقيمته كغذاء متكامل، يجمع بين الكفاءة الغذائية والرمزية الروحية.

لعل المشهد الأكثر تأثيرا، والذي وثقه الدكتور منتصر، كان رؤيته للأطفال والشباب في أحد الطرق الرئيسية بالقضارف، وهم يغلقون الطريق على القادمين من سنار ليقدموا لهم الماء والعصير وكلمات المواساة

قيادة الشباب.. وحب أهل القضارف لعمل الخير

تجاوزت مبادرة “تمر الضيافة” كونها مجرد عملية توزيع، لتصبح نموذجا للقيادة المحلية القادرة على سد الثغرات التي تعجز عنها المنظمات الضخمة؛ فالطبيب الشاب وفريقه جسدوا أعلى معاني الإيثار والتضامن السوداني الأصيل.

لعل المشهد الأكثر تأثيرا، والذي وثقه الدكتور منتصر، كان رؤيته للأطفال والشباب في أحد الطرق الرئيسية بالقضارف، وهم يغلقون الطريق على القادمين من سنار ليقدموا لهم الماء والعصير وكلمات المواساة والترحيب: “لو كان باستطاعتهم غير ذلك ما ترددوا في تقديمه، وهذا غيض من فيض عطاء عديد من الشباب، الذين انتظموا في محاولات الإيواء والدعم والمساندة لضيوفهم”.

هذه الروح، التي تبدو كأنها رد عملي على حالة اليأس الكبيرة التي أحاطت بالبلاد، هي ذاتها الروح التي تغنّى بها الشاعر السوداني الكبير إسماعيل حسن في قصيدته الخالدة، التي استشهد بها الدكتور منتصر في إحدى تقاريره:

بلادي أمان، بلادي حنان، وناسا حنان

يكفكفوا دمعة المفجوع

يبدّوا الغير على ذاتُم

يقِسْموا اللقمة بيناتُم!

من خلال هذه التجربة، نستطيع أن نقول إن الشعب السوداني قادر على العطاء والمواساة، حتى في أحلك ظروف الحصار واليأس. هؤلاء الشباب أثبتوا أن بذرة الخير المحلية قادرة على أن تزهر أملا عظيما، عندما تُسقى بالعمل المنظم والإيمان بقيمة الإنسان.

المصدر: الجزيرة