توتر في محادثات أفغانستان وباكستان بإسطنبول

ترامب يعرض المساعدة

دخلت المحادثات الأفغانية الباكستانية يومها الثالث في إسطنبول وسط أجواء من التوتر الحذر، بعد فشل الجانبين في التوصل إلى اتفاق سلام دائم. وعلى الرغم من الجهود التركية لرعاية الحوار، فإن الخلافات العميقة حول قضايا الأمن والحدود لا تزال تعرقل أي تقدم ملموس.

في الوقت ذاته، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طرح عرضه للوساطة بين الطرفين، مؤكدًا في تصريحات من واشنطن استعداده “للمساعدة في أي وقت وبأي طريقة ممكنة”، على حد تعبيره.

خطوة ترامب جاءت لتعيد إلى الأذهان الدور الأمريكي التقليدي في صراعات جنوب آسيا، وإن كانت ردود الفعل حذرة من الجانبين.

خلفية الصراع

تشترك أفغانستان وباكستان بحدود وعلاقات معقدة تمتد لعقود من التاريخ، يغلب عليها التوتر والاتهامات المتبادلة. فمنذ استيلاء حركة طالبان على السلطة في كابول عام 2021،

تصاعدت الاشتباكات الحدودية بين قوات البلدين، خصوصًا في المناطق القبلية على طول خط دوراند.

في 19 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، توصل الطرفان إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار في العاصمة القطرية الدوحة، بعد أيام من أعنف مواجهات شهدتها المنطقة منذ أربع سنوات.

لكن هذا الاتفاق، كما يبدو، لم يضع حدًا لمخاوف الجانبين من استمرار “الإرهاب عبر الحدود”، وهو التعبير الذي تستخدمه إسلام آباد بكثرة في بياناتها الرسمية.

أجواء المحادثات في إسطنبول

المحادثات الجارية في إسطنبول، برعاية وزارة الخارجية التركية، تهدف إلى تحويل الهدنة المؤقتة إلى اتفاق سلام طويل الأمد. ومع ذلك، فإن تسريبات من داخل الاجتماع كشفت عن تباين كبير في المواقف.

مصادر أمنية باكستانية قالت إن وفد طالبان لم يُبدِ “أي تعاون حقيقي” مع المقترحات المتعلقة بضبط الحدود ومنع عبور المسلحين. أحد تلك المصادر أكد لرويترز أن “الوفد الباكستاني

أوضح أن أي تنازلات في قضية الإرهاب عبر الحدود أمر غير ممكن”، مشيرًا إلى أن الصبر بدأ ينفد داخل أروقة الحكومة الباكستانية.

في المقابل، نفى ممثل طالبان تلك الاتهامات بشدة، واصفًا الحديث عن عرقلة المحادثات بأنه “كاذب ومضلل”. وأكد أن النقاشات تسير في “بيئة ودّية”، وأن الحركة “تؤمن بإمكانية حل الخلافات عبر الحوار”.

تركيا في دور الوسيط الهادئ

تحاول أنقرة منذ أسابيع الدفع نحو حل سياسي يضمن استقرار المنطقة ويعزز مكانتها كوسيط مقبول من الطرفين.

ويقول دبلوماسي تركي مشارك في المحادثات –رفض الكشف عن اسمه– إن بلاده “تسعى لخلق أرضية ثقة، لا لفرض حلول جاهزة”.

لكن المراقبين يرون أن المساعي التركية تصطدم بواقع معقد. فالعلاقة بين طالبان وإسلام آباد محكومة بتوازن حساس.

فبينما تتهم باكستان كابول بإيواء جماعات معادية لها، ترى طالبان أن باكستان ما زالت تتدخل في شؤونها الداخلية وتستخدم ملف الحدود كورقة ضغط سياسية.

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعداده للوساطة أعاد الجدل حول مدى استعداد واشنطن للعودة إلى الملف الأفغاني بعد انسحابها العسكري الكامل عام 2021.

ورغم أن بعض المحللين اعتبروا عرض ترامب “رمزيًا أكثر من كونه واقعيًا”، فإن آخرين يرونه خطوة يمكن أن تحرّك الجمود السياسي الراهن.

يقول المحلل السياسي الباكستاني ظفر عباس إن ترامب “يحاول استعادة نفوذ بلاده في ملفات حساسة تركها الرئيس بايدن معلّقة”. ويرى أن “الولايات المتحدة تراقب بحذر تمدد النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، ولا تريد ترك الساحة خالية”.

في المقابل، يقلل الأكاديمي الأفغاني محمد شفيق أحمدي من جدوى العرض الأمريكي، موضحًا أن “الطرفين لا يثقان بأي دور خارجي بعد التجارب السابقة”، وأن “الحل يجب أن ينبع من تفاهم مباشر بين كابول وإسلام آباد دون وساطات مكلفة”.

العقبات الرئيسية

من أبرز القضايا العالقة مسألة الحدود المشتركة، حيث تتهم باكستان حركة طالبان بالسماح لمسلحين من “تحريك طالبان باكستان” باستخدام الأراضي الأفغانية كملاذ آمن. أما طالبان، فتصر على أن باكستان تبالغ في الاتهامات وتستخدمها لتبرير تدخلها العسكري داخل الأراضي الأفغانية.

قضية أخرى تتعلق بتبادل الأسرى وضمانات الأمن التجاري على المعابر الحدودية، خصوصًا في غلام خان وسبين بولدك، حيث تتوقف حركة التجارة بشكل متكرر بسبب التوترات.

أصوات من الشارع

في مدن قندوز وبيشاور، عبّر مواطنون عن أملهم بأن تؤدي المحادثات إلى إنهاء المعاناة اليومية. يقول التاجر الأفغاني عبدالحميد خان: “كلما أغلقت الحدود، نخسر مصدر رزقنا. نريد فقط سلامًا دائمًا، لا بيانات سياسية”.

أما الباكستانية سلمى علي من منطقة خيبر، فتقول إن سكان المناطق الحدودية “يدفعون الثمن الأكبر من انعدام الأمن”، مضيفة: “الناس هنا لا يهمهم من يحكم كابول أو إسلام آباد، ما يريدونه هو أن يعيشوا بسلام”.

تقييم المراقبين

يرى محللون في إسلام آباد أن هذه الجولة من المحادثات تمثل اختبارًا حقيقيًا لنوايا طالبان في بناء علاقات طبيعية مع جيرانها. ويعتقد بعضهم أن الحركة بدأت تدرك أن استمرار التوتر مع باكستان سيؤثر على استقرار حكمها في الداخل ويزيد من عزلتها الدولية.

في المقابل، يشير مراقبون في كابول إلى أن باكستان أيضًا بحاجة إلى “تغيير مقاربتها الأمنية” تجاه أفغانستان، لأن استمرار النهج العسكري لن يجلب سوى مزيد من التصعيد.

بين تعقيدات التاريخ وضغوط الواقع، تبدو آفاق السلام بين أفغانستان وباكستان معلقة على خيط رفيع من الأمل. فالمحادثات الجارية في إسطنبول لم تحقق بعد اختراقًا حقيقيًا، لكن استمرارها بحد ذاته يعد مؤشرًا على رغبة الجانبين في إبقاء باب الحوار مفتوحًا.

وفيما تتواصل المفاوضات وسط ترقب إقليمي ودولي، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن للبلدين أن يتجاوزا عقودًا من الشكوك لبناء مستقبل مشترك؟ أم أن الصراعات الحدودية ستظل قدرًا لا مفر منه في جبال هندوكوش؟