من الميدان إلى الشاشة.. هل يكفي النضال الافتراضي لغزة؟
حرزالله محمد لخضر يكتب
- dr-naga
- 24 أكتوبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الدولة الفلسطينية, النضال الافتراضي, حماس, غزة, وسائل التواصل الاجتماعي
لقد أثرت وسائل التواصل الاجتماعي تأثيرا كبيرا في نمط الحياة المعاصرة، وأعادت تشكيل العديد من الممارسات الإنسانية، كما طبعت كثيرا من الأفكار والمعتقدات في أذهان المدمنين عليها، فأصبحت الحالة الافتراضية طاغية على شعورهم وسلوكهم اليومي.
وفي المقابل، تراجعت العديد من الممارسات والقيم الاجتماعية، والسلوكات العملية ذات الأثر التفاعلي بين الجماعات البشرية، التي من شأنها أن تحدث تغييرا ملموسا في الواقع الاجتماعي.
لا ننكر أن التكنولوجيات الرقمية أسهمت إسهاما إيجابيا في تيسير حاجات الناس وتطويرها وخلق بدائل وخدمات مهمة، كالتعليم الافتراضي، والتجارة الإلكترونية، والدفع الإلكتروني، كما فتحت آفاقا رائدة في الاستثمار الاقتصادي والتطوير الإداري.
لكن، في المقابل، أدّت إلى جفاء في العلاقات الاجتماعية، وأفول كثير من السلوكات الرائدة ذات الأثر الإيجابي على العلاقات الإنسانية، فأصبحت الصداقات افتراضية، والزيارات العائلية وعيادة المرضى تتم بشكل افتراضي، بل أصبح التواصل داخل البيت الواحد افتراضيا!
إن هذا النوع من الممارسات خلق حالة شعورية توحي بنوع من الغرور الكفائي، تجعل البعض يعتقد أنه بمجرد إرسال رسالة على “فيسبوك” قد أدى واجب عيادة المريض، أو بمجرد إرسال رسالة على البريد الإلكتروني، قد أوفى بكامل التزاماته الأخلاقية تجاه واجب الأخوة أو الجيرة أو الأسرة.
وقد تأثر مفهوم النضال بهذا المسلك الجديد، وظهر ذلك جليا في الحرب الأخيرة على غزة، خاصة مع اشتداد الحصار وخنق كافة البدائل النضالية الفعالة التي من شأنها أن تخفف المعاناة عن إخواننا في غزة أو تلجم هوس المحتل الصهيوني.
فاستخدمت وسائل التواصل الاجتماعي كأدوات موازية في بعض الأحيان، أو بديلة في أحيان كثيرة، وأطلق على هذا النوع من النشاط اسم النضال الافتراضي، وهو مفهوم يحمل في طياته فوائد وتحديات، وقد يكون له تأثير سلبي على النضال الواقعي الحقيقي.
تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعرفة حول القضايا المختلفة، مما يسهم في رفع الوعي السياسي والاجتماعي لدى أعداد كبيرة من الناس، خاصة الشباب
الجوانب الإيجابية للنضال الافتراضي
- التعبئة والتنسيق: تعد وسائل التواصل الاجتماعي أداة فعالة وسريعة في حشد الجماهير وتنسيق الفعاليات الميدانية مثل المظاهرات والاحتجاجات، إذ يمكن لأي شخص إطلاق حملة أو وسم (هاشتاغ) للفت الانتباه إلى قضية ما، مما يتيح انتشارها على نطاق واسع في وقت قصير جدا.
- كسر الحصار الإعلامي: في كثير من الأحيان، يكون الإعلام التقليدي مسيطرا عليه من قِبل الأنظمة الحاكمة أو الشركات الكبرى، وهنا يأتي دور وسائل التواصل الاجتماعي كمنصات بديلة لنشر المعلومات والأخبار والصور والفيديوهات التي لا يسمح بتغطيتها في الإعلام الرسمي.
- التوعية ورفع الوعي: تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعرفة حول القضايا المختلفة، مما يسهم في رفع الوعي السياسي والاجتماعي لدى أعداد كبيرة من الناس، خاصة الشباب.
- توفير مساحة للتعبير: تتيح هذه المنصات مساحة آمنة نسبيا للأفراد للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، خاصة في المجتمعات التي تُفرض فيها قيود على حرية التعبير.
- المساعدة عبر العملات الافتراضية أو دعم الحسابات المحلية: وهي طريقة فعالة، إذ يتم إرسال الأموال الافتراضية عبر منصات مخصصة لذلك، ثم تحويلها إلى العملات المحلية ليستفيد منها الناس، أو عبر دعم حسابات النشطاء والمؤثرين المحليين على “تيك توك” أو “إنستغرام”، لتوفير مداخيل تسهم في تخفيف المعاناة في ظل الحصار المالي والغذائي المسلط على المستضعفين.
يمكن أن يؤدي الانغماس في النضال الافتراضي إلى شعور زائف بالارتباط مع الآخرين، وفي الوقت نفسه إلى العزلة عن الواقع الحقيقي والمشاركة في التفاعلات الاجتماعية المباشرة والعمل الميداني
الجوانب السلبية للنضال الافتراضي
مهما بلغت أهمية النضال الافتراضي، لا يمكنه البتة أن يكون بديلا عن النضال الفعلي المؤثر، فالتغيير يصنع في الميدان. يمكن أن يكون النضال الافتراضي مرحليا أو استثنائيا ريثما تتوفر البدائل الميدانية لرفع الغبن ودفع الظلم، لكنه لا يمكن أن يكون حالة مستدامة تغني عن واجب النصرة الحقيقية، وتشعر الفرد بالأريحية وإبراء الذمة أمام الله وأمام إخوانه؛ لأن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى المخاطر التالية:
- الإشباع العاطفي الوهمي: من أبرز مخاطر النضال الافتراضي أن الأفراد قد يشعرون بأنهم أدّوا واجبهم تجاه غزة بمجرد نشر منشور أو تغيير صورة الملف الشخصي أو وضع وسم أو فيديو حماسي. هذا الشعور بالإنجاز قد يفقدهم الرغبة في اتخاذ خطوات عملية على أرض الواقع.
- تحويل النضال إلى مجرد “تريند”: قد تتحول القضايا المصيرية إلى مجرد موجة عابرة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يفقد الاهتمام بها بمجرد ظهور “تريند” جديد، مما يفرغ القضية من محتواها الحقيقي ويضعف تأثيرها على المدى الطويل.
- تشتيت الجهود وتبدد التركيز: قد يؤدي التدفق الهائل للمعلومات إلى تشتيت الجهود النضالية، فبدلا من التركيز على قضية محددة والعمل لأجلها، ينشغل الأفراد بمتابعة قضايا أخرى بشكل متقطع، مما يضعف تأثيرهم في أي قضية بعينها.
- العزلة عن الواقع: يمكن أن يؤدي الانغماس في النضال الافتراضي إلى شعور زائف بالارتباط مع الآخرين، وفي الوقت نفسه إلى العزلة عن الواقع الحقيقي والمشاركة في التفاعلات الاجتماعية المباشرة والعمل الميداني.
- سهولة الانفضاض: كما تسهِّل وسائل التواصل الاجتماعي حشد الناس بسرعة، فإنها تسهِّل أيضا انفضاضهم؛ فبمجرد تغيّر المزاج العام أو ظهور قضية أخرى، يمكن أن تتلاشى الملايين التي كانت تناصر قضية ما على الإنترنت، مما يظهر أن هذا الدعم قد لا يكون عميقا أو مستداما.
ختاما
إن النضال الافتراضي ليس بديلا عن النضال الواقعي، بل هو أداة يمكن أن تكون مفيدة جدا في التعبئة والتوعية، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاطر حقيقية تتمثل في تحويل النضال إلى ظاهرة سطحية وإحداث شعور بالإشباع الكاذب، مما قد يضعف من حافز الأفراد على المشاركة الفعلية في النضال الحقيقي على أرض الواقع.
# حرزالله محمد لخضر
المصدر: الجزيرة