وقف النار يمنح إسرائيل فرصة لترميم صورتها

منظمات تتهم الاحتلال بارتكاب "إبادة جماعية"

بعد عامين من حرب غزة المدمرة، يمثل وقف إطلاق النار الهش الذي دخل حيز التنفيذ هذا الأسبوع آخر فرصة أمام إسرائيل لإصلاح صورتها الدولية المتداعية، وفقًا لتحليل أجرته وكالة «رويترز» استند إلى مقابلات مع 13 خبيرًا ومسؤولًا إسرائيليًا حاليًا وسابقًا.

كشف استطلاع رأي أجراه معهد الدراسات الأمنية القومية في تل أبيب خلال أغسطس الماضي أن أكثر من 66% من الإسرائيليين يخشون من العزلة الدولية لبلادهم، بزيادة ملحوظة عن 55% فقط في يوليو 2024.
هذه القفزة تعكس إدراكًا متزايدًا داخل المجتمع الإسرائيلي لحجم الأضرار التي لحقت بسمعة دولتهم جراء الحرب التي أسفرت عن مقتل أكثر من 67 ألف فلسطيني، وفقًا لمسؤولي الصحة في قطاع غزة.

الأخطر من ذلك هو التحول الدراماتيكي في الرأي العام الأمريكي، الحليف الأقوى لإسرائيل.
فقد أظهرت دراسة نشرها مركز «بيو» للأبحاث في الثالث من أكتوبر الجاري أن 39% من الأمريكيين يعتقدون الآن أن إسرائيل «تجاوزت الحد» في عملياتها العسكرية ضد حركة حماس، مقارنة بـ31% قبل عام، و27% فقط في أواخر 2023، أي بعد أسابيع قليلة من هجوم حماس في السابع من أكتوبر الذي أسفر عن مقتل نحو 1200 إسرائيلي واحتجاز 251 رهينة.

تشير معلومات حصلت عليها «رويترز» من مسؤولين حضروا اجتماعات حكومية مغلقة إلى أن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر حذّر منذ أشهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من التداعيات الدولية الخطيرة للحرب.
لكن هذه التحذيرات لم تؤدِ إلى أي تغيير جوهري في السياسات.

وفي مفارقة لافتة، اعترف نتنياهو نفسه بأن إسرائيل «بحاجة إلى أن تصبح معتمدة على نفسها في السنوات القادمة بسبب ردود الفعل المنددة بالحرب».
إلا أنه تعهد في الوقت ذاته بمواصلة العمليات العسكرية حتى القضاء الكامل على حماس، ورفض أي حديث عن إقامة دولة فلسطينية.

اتهامات بالإبادة وتآكل الدعم الدولي

لم تقتصر الأزمة على تراجع الدعم الشعبي فقط، بل امتدت إلى اتهامات رسمية دولية غير مسبوقة.
ففي يونيو الماضي، قالت لجنة تابعة للأمم المتحدة إن إسرائيل ترتكب «إبادة جماعية» في غزة، وهو اتهام رفضته الحكومة الإسرائيلية بشدة، مؤكدة أنها «تحارب حماس وليس الشعب الفلسطيني».

وفي أغسطس، أعلن مرصد عالمي أن مدينة غزة تعاني من المجاعة، وهو تقرير رفضته إسرائيل أيضًا.
لكن هذه الاتهامات المتكررة من منظمات دولية موثوقة ساهمت في تآكل الدعم الذي كانت تحظى به إسرائيل تقليديًا.

حتى بين أقرب حلفاء إسرائيل، اعترفت عدة دول غربية مؤخرًا بدولة فلسطينية، رغم المعارضة الشديدة من نتنياهو وواشنطن.

أقرّ مسؤولون سابقون في أجهزة الإعلام والدبلوماسية الإسرائيلية بوجود إخفاقات مؤسسية فاقمت الأزمة.
وأشاروا إلى أن جهود التواصل خلال الحرب كانت مشتتة بين إدارات حكومية مختلفة دون تنسيق فعّال.

وقال بيتر ليرنر، المتحدث السابق باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام الدولي، إن تحسين الصورة سيتطلب أكثر من مجرد وقف إطلاق النار، داعيًا إلى «التزام واضح بالسلام، وحماية الأرواح البريئة، واحترام القانون الدولي، والمشاركة في الشراكات الإنسانية».

أما ريتشارد هيخت، المتحدث السابق الآخر باسم الجيش، فاعتبر أن إسرائيل التي جعلت من جيشها المصدر الرئيسي للمعلومات خلال الحرب «بحاجة إلى إنشاء هيئة مدنية فعالة للتواصل الدولي».

وكشف مسؤولون سابقون أن مديرية الشؤون العامة الوطنية تعاني من نقص حاد في الموارد، كما أن وزراء من اليمين المتطرف دأبوا على إطلاق تصريحات متناقضة مع الرسائل الرسمية، مما زاد من الارتباك وأضر بالصورة العامة لإسرائيل.

تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار

تم التوصل إلى وقف إطلاق النار بوساطة من الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا.
وتشمل مرحلته الأولى تبادل رهائن إسرائيليين بمعتقلين فلسطينيين، فيما تدعو المرحلة الثانية إلى إنشاء «مجلس سلام» بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للإشراف على تنفيذ الخطوات التالية، بما في ذلك خطة من 20 نقطة لتعزيز الشراكات الإقليمية.

وأعلن الكنيست الإسرائيلي يوم الاثنين أن الاتفاق أنهى «الكابوس الطويل» الذي عاشه الإسرائيليون والفلسطينيون.
لكن هناك عقبات كبيرة أمام تطبيقه، أبرزها تشكيل حكومة تكنوقراط فلسطينية في غزة ونزع سلاح حماس.

سرعان ما ظهرت هشاشة الاتفاق؛ ففي اليوم التالي لإعلانه، أطلق الجيش الإسرائيلي النار على فلسطينيين اقتربوا من قواته في مناطق الاحتلال داخل غزة.
هذا الحادث أثار تساؤلات حول مدى التزام الطرفين بالهدنة، وأعاد الشكوك بشأن استمراريتها.

وقال أحد المسؤولين الإسرائيليين لرويترز، طالبًا عدم الكشف عن اسمه: «قد يساعد ذلك إسرائيل على استعادة بعض التعاطف والشرعية التي فقدتها خلال الحرب».
لكن آخرين يرون أن الأمر يتطلب أكثر من مجرد هدنة عسكرية مؤقتة.

دعوات لإعادة بناء العلاقات

دعت بنينا شارفيت باروخ، مديرة برنامج «إسرائيل والقوى العالمية» في معهد الدراسات الأمنية القومية، إلى البناء على خطة ترامب لتعزيز الشراكات الإقليمية.
وقالت إن «مثل هذا المسار سيساعد على تكوين تحالفات جديدة، ويعيد لإسرائيل بعض مصداقيتها الدولية».

أما السفير السابق إيمانويل نحشون، نائب مدير عام الدبلوماسية العامة في الخارجية الإسرائيلية سابقًا، فيرى أن الحل الحقيقي يبدأ من الداخل.
وأشار إلى أن نتنياهو لم يحضر قمة شرم الشيخ المخصصة لمناقشة مستقبل غزة بحجة قرب بداية عيد يهودي، معتبرًا أن السبب الحقيقي هو رفضه مناقشة حل الدولتين.

وأضاف نحشون: «الخطوة الأولى والأهم هي إجراء انتخابات برلمانية وتشكيل حكومة جديدة تسلك مسارًا مختلفًا يأخذ في الاعتبار الدروس المستفادة من الحرب».

توترت العلاقات بين إسرائيل والدول العربية التي تربطها بها اتفاقيات رسمية، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة التي وقعت اتفاقيات إبراهيم عام 2020 بوساطة أمريكية.
ويتساءل الخبراء عما إذا كانت الحكومة اليمينية الحالية، التي تعتمد على دعم أحزاب قومية متشددة، قادرة على إعادة بناء الجسور مع الدول العربية أو القيادة الفلسطينية.

وقال دبلوماسي من أوروبا الغربية لرويترز إن «تحسين السمعة يحتاج وقتًا طويلًا من إعادة بناء الثقة».
وأضاف أن وقف إطلاق النار «خطوة جيدة، لكنها تحتاج إلى خطوات عديدة أخرى لترسيخها».

بعد عامين من حرب خلفت عشرات الآلاف من القتلى ودمارًا شبه كامل في غزة، تقف إسرائيل أمام مفترق طرق حاسم.
فوقف إطلاق النار يمنحها فرصة لوقف النزيف الدبلوماسي، لكن الخبراء يؤكدون أن تحسين الصورة يتطلب أكثر من إسكات البنادق.

التحدي الحقيقي يكمن في تغيير السياسات التي أدت إلى هذه العزلة:
الاستثمار في الدبلوماسية، احترام القانون الدولي، التعامل الجاد مع القضية الفلسطينية، وربما الأهم، إجراء محاسبة سياسية داخلية حول الدروس المستفادة من الحرب.

السؤال الآن : هل ستستغل إسرائيل هذه الفرصة؟
أم ستعود إلى السياسات القديمة التي أوصلتها إلى هذا المأزق؟

المصدر: تحليل خاص لوكالة «رويترز» – 17 أكتوبر 2025