أفغانستان وباكستان تشنان أعنف قصف مدفعي

قوى دولية وإقليمية دعتهما للحوار وضبط النفس

تصاعدت التوترات بين أفغانستان وباكستان، في الأيام الأخيرة، مع تبادل إطلاق نار مميت بين الجارتين، مما أثار مخاوف من اتساع نطاق الصراع.

وجاء القتال عقب هجمات في العاصمة الأفغانية كابول وولاية باكتيكا الحدودية، الخميس الماضي، وألقت حركة طالبان باللوم فيها على باكستان، رغم أن إسلام آباد لم تعترف رسميًا بالهجمات.

وتزامنت أحدث موجة تصعيد مع زيارة تاريخية لوزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، إلى الهند، غريمة باكستان، مما أثار قلق إسلام آباد.

ويحذر الخبراء من أن هذه الهجمات الأخيرة قد تُنذر بعهد جديد من عدم الاستقرار للجارتين، اللتين حافظتا على علاقات مستقرة واستراتيجية لسنوات رغم المناوشات المتكررة على طول حدودهما المتنازع عليها.

إليكم ما نعرفه عن أعمال العنف، التي دفعت الصين وروسيا والمملكة العربية السعودية وقطر إلى دعوات لتهدئة التوتر، وعرضًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوسط في السلام.

أعنف تصعيد منذ سنوات

اتهمت حكومة طالبان في أفغانستان باكستان بشن هجوم “غير مسبوق وعنيف ومدان” على أهداف في كابول وباتيكا، مساء الخميس، ولم تعلن إسلام آباد رسميًا مسؤوليتها عن الهجمات، لكن خلال مؤتمر صحفي عُقد، الجمعة، قال الفريق أحمد شريف شودري، المسؤول العسكري الباكستاني، إن هناك “أدلة” على أن “أفغانستان تُستخدم كقاعدة عمليات لتنفيذ عمليات إرهابية في باكستان”.

ولطالما اتهمت باكستان كابول بإيواء حركة طالبان الباكستانية المسلحة، المعروفة باسم TTP، وهو ما تنفيه طالبان الأفغانية.

وفي مساء السبت، شنت طالبان هجمات انتقامية ضد القوات الباكستانية في مناطق مختلفة بالقرب من ولايتي كونار وننكرهار الحدوديتين، وأعلنت أنها أوقفت عمليتها العسكرية قرابة منتصف الليل بعد وساطة من قطر والسعودية.

وأعلنت كلتا الدولتين عن حصيلة وفيات أعلى مما أعلنته جارتها، إذ أعلنت باكستان أنها قتلت أكثر من 200 من عناصر طالبان والمسلحين، وهو رقم يفوق بكثير الخسائر التسع التي أعلنتها طالبان، وفي الوقت نفسه، أعلنت طالبان أنها قتلت 58 جنديًا باكستانيًا، أي أكثر من ضعف الخسائر الباكستانية البالغة 23.

وردت باكستان على الهجوم، الذي وصفته بأنه “غير مبرر”، بشن ضربات وغارات جوية على معسكرات ومواقع في أفغانستان، وفقًا لبيان صادر عن الجيش.

تاريخ طويل ومعقد

لباكستان وأفغانستان تاريخ طويل ومعقد، وقد خاضتا اشتباكات متكررة على طول حدودهما الجبلية المتنازع عليها، والتي تمتد لمسافة 1600 ميل، والمعروفة باسم “خط دوراند”، وكانت باكستان من أبرز الداعمين لحركة طالبان في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

الدولتان شريكتان تجاريتان كبيرتان، وتربطهما علاقات قوية على الصعيدين الشعبي. استضافت باكستان ملايين اللاجئين الأفغان على مدى عقود من الحرب الأمريكية.

لكن العلاقات الأفغانية الباكستانية توترت وسط تصاعد أعمال العنف المسلح ضد باكستان.

وعقب هجمات، السبت، قال الجيش الباكستاني إنه في حين أن باكستان تفضل الدبلوماسية، إلا أنها “لن تتسامح مع الاستخدام الغادر للأراضي الأفغانية للإرهاب ضد باكستان”.

وأعلنت باكستان، الأحد، إغلاق معبريها الحدوديين الرئيسيين مع أفغانستان.

العامل الهندي

أشار الجيش الباكستاني إلى أن “الاستفزاز الخطير” وقع خلال زيارة قام بها مؤخرًا وزير خارجية طالبان إلى الهند، المنافس الإقليمي الرئيسي لباكستان، وكان آخر صراع قصير خاضه الجانبان في وقت سابق من هذا العام.

ولم تُخفِ طالبان والهند علاقاتهما، الجمعة، عندما أعلنت نيودلهي أنها ستعيد فتح سفارتها في كابول، واصفةً زيارة متقي بأنها “خطوة مهمة في تعزيز علاقاتنا وتأكيد الصداقة الراسخة” بين البلدين.

وقال الباحث في شؤون الدفاع والاستراتيجية والدبلوماسية في جنوب ووسط آسيا بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أنطوان ليفيسك، لشبكة CNN إن “إسلام آباد ونيودلهي تنافستا بشراسة على النفوذ في أفغانستان لعقود”.

وأضاف ليفيسك أن زيارة طالبان للهند كانت بمثابة “تغيير جذري” في العلاقات بين الهند وباكستان، “مما زاد من شعور باكستان بانعدام الأمن على حدودها الشرقية والغربية”.

ولطالما اعتبرت باكستان العلاقات الجيدة مع أفغانستان عاملاً أساسياً لموازنة نفوذ الهند، ولذلك واصلت دعم طالبان سراً حتى بعد خروجها من السلطة.

كيف تفاعلت الدول الأخرى؟

دعت قطر والمملكة السعودية والصين وروسيا جميعها إلى خفض التصعيد.

وأعربت قطر عن “قلقها” إزاء “التداعيات المحتملة على أمن واستقرار المنطقة” في بيانٍ على منصة إكس (تويتر سابقا)، فيما دعت السعودية، التي وقّعت مؤخرًا اتفاقية دفاعية مع باكستان، إلى “ضبط النفس والحوار”.

وقالت وزارة الخارجية الصينية، إنها “تأمل بصدق أن يركز البلدان على الصورة الأكبر … وأن يُبدّدا مخاوفهما من خلال الحوار والتشاور”، كما دعت روسيا إلى حل “بالوسائل الدبلوماسية”.

ولفت القتال انتباه ترامب أيضًا، الذي عرض التوسط في السلام.

وقال ترامب للصحفيين على متن طائرة الرئاسة الأمريكية أثناء توجهه إلى إسرائيل، الأحد، للاحتفال باتفاق إنهاء الحرب في غزة: “سمعتُ أن هناك حربًا تدور الآن بين باكستان وأفغانستان”.

وأضاف ترامب: “أنا بارع في حل الحروب، وبارع في صنع السلام”.

ماذا يعني هذا للعلاقات في المستقبل؟

في حين خفّت حدة العنف في الوقت الحالي، مع إشارة كلا البلدين إلى رغبتهما في خفض التصعيد، إلا أن الهجمات الأخيرة قد تُبشّر بعهد جديد من عدم الاستقرار للجارتين.

واشار ليفيسك: “في الماضي، كانت نوبات التوترات المسلحة الدورية تنحسر عادةً بمجرد أن يُثبت كلا الجانبين وجهة نظرهما”، مضيفًا أن القيادة الباكستانية تنظر إلى بلادها على أنها “مصدر استقرار للمنطقة”.

ورغم أن إسلام آباد لم تعلن مسؤوليتها المباشرة عن الغارات الجوية في كابول، إلا أن “مثل هذا الهجوم سيتجاوز الخط الأحمر في علاقاتهما”،