التقارب الإندونيسي الإسرائيلي: الواقع والمخاوف
خطوة منفردة قد تضعف موقف العربي
- السيد التيجاني
- 15 أكتوبر، 2025
- تقارير
- إسرائيل, إندونيسيا, الاعتراف بدولة فلسطينية, غزة
لسنوات طويلة، كانت العلاقة بين إندونيسيا وإسرائيل محكومة بجدار صلب من القطيعة السياسية، المتشكلة على خلفية الموقف الإندونيسي الثابت من دعم القضية الفلسطينية ورفض الاعتراف بإسرائيل.
غير أن تغيرات دولية وإقليمية، وتبدلات داخلية في البلدين، فتحت الباب لتساؤلات: هل بدأ هذا الجدار يتصدع؟ وهل تتجه جاكرتا إلى تغيير استراتيجي في سياساتها الخارجية؟
في هذا التقرير، نستعرض تطورات هذا التقارب المحتمل، الآراء المختلفة، ما وراء الكواليس، والمخاطر المرتبطة به.
خلفية تاريخية: التزام إندونيسي حديدي
إندونيسيا، بصفتها أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة، ترفض إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل منذ استقلالها، وتربط أي تغيير في هذا الموقف بتحقيق العدالة للفلسطينيين وقيام دولتهم المستقلة.
هذا الموقف ظل ثابتا، رغم تغير الإدارات وتطور العلاقات الدولية، بل حتى مع توقيع دول إسلامية كالإمارات والمغرب على اتفاقات تطبيع، ظلت جاكرتا تؤكد موقفها المبدئي.
في عام 2024، أكدت وزارة الخارجية الإندونيسية أنه “لا توجد خطط لتطبيع العلاقات مع إسرائيل”، وأن أي حديث عن ذلك لا أساس له.
رئيس جديد.. خطاب جديد؟
مع انتخاب الرئيس برابوو سوبينتو عام 2024، بدأ الحديث يتغير. فقد صرّح خلال مؤتمر صحفي في باريس في مايو 2025، أنه “منفتح على الاعتراف بإسرائيل في حال اعترافها بدولة فلسطين”.
رغم أن هذا لا يعني تحوّلًا كاملاً، لكنه مثّل سابقة في الخطاب الرسمي الإندونيسي. البعض اعتبره خطاباً براغماتياً يمهّد لأدوار دبلوماسية، بينما حذّر آخرون من كونه بداية التفاف على الالتزام التاريخي تجاه فلسطين.
التكذيب الرسمي والرد الفوري
بعد الجدل، سارعت وزارة الخارجية الإندونيسية لتوضيح الأمور. نفت وجود أي مفاوضات مع إسرائيل، وأكدت أن موقف البلاد ما يزال ثابتاً، وأن أي تقارير عن تطبيع “لا تمت للواقع بصلة”.
الرسالة كانت واضحة: لا تطبيع بدون الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967، والقدس الشرقية عاصمة لها.
في الكواليس: زيارات خفية؟
وسط هذه التصريحات، برزت تقارير إعلامية تتحدث عن “زيارات سرية محتملة” لمسؤولين إندونيسيين إلى إسرائيل، أو لقاءات على هامش فعاليات دولية.
كما ترددت إشاعات عن احتمال زيارة مفاجئة للرئيس برابوو إلى إسرائيل بعد مشاركته في قمة شرم الشيخ للسلام، وهو ما نفته الحكومة الإندونيسية بشكل قاطع.
هذه الإشاعات، حتى وإن لم تثبت، أشعلت الرأي العام، وأثارت مخاوف من تغيير يجري خلف الأبواب المغلقة.
قمة شرم الشيخ: فضيحة صغيرة أم رسالة كبرى؟
في أكتوبر 2025، وُجّهت دعوات لحضور قمة “شرم الشيخ للسلام” بين أطراف دولية، من ضمنهم الرئيس الفلسطيني، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
لكن نتنياهو ألغى حضوره في اللحظة الأخيرة، مبررًا الأمر بالأعياد اليهودية، بينما تحدثت مصادر عن ضغوط من حلفائه الدينيين المتشددين، وخوفه من الانتقادات العربية أمام الكاميرات.
انسحاب نتنياهو كشف هشاشة الموقف الإسرائيلي أمام الرأي العام الإقليمي، وأظهر أن أي انفتاح على الدول الإسلامية، حتى إن حدث، لا يمكن فصله عن السياق الداخلي في تل أبيب.
ردود الفعل الشعبية: غضب، قلق، أو ترقّب
داخل إندونيسيا، التفاعل الشعبي مع فكرة التقارب مع إسرائيل يتراوح بين الاستنكار القاطع والدعوة إلى الحذر الشديد.
الجماعات الإسلامية عبّرت عن رفض مطلق لأي تطبيع، واعتبرته خيانة للقضية الفلسطينية، ومخالفة للدستور الذي يربط السياسة الخارجية بمبدأ “رفض الاستعمار”.
على وسائل التواصل، اشتعلت النقاشات، وظهرت صور مفبركة للرئيس برابوو مع مسؤولين إسرائيليين، وأطلق نشطاء وسم: #لا_للتطبيع_مع_الاحتلال.
وجهة نظر أخرى: الواقعية السياسية
في المقابل، يرى بعض المحللين أن انفتاح إندونيسيا على إسرائيل قد يمكنها من لعب دور فاعل في التوسط لحل الدولتين. آخرون يعتقدون أن التعاون الاقتصادي والتكنولوجي قد يخدم مصالح البلاد.
لكن حتى بين هؤلاء، هناك قناعة أن أي خطوة لا يجب أن تحدث دون مقابل واضح لصالح فلسطين، وإلا ستكون ثمنًا بلا مكسب أخلاقي أو سياسي.
إسرائيل: فرصة ذهبية.. أم حائط مسدود؟
بالنسبة لإسرائيل، فإن تطبيع العلاقات مع إندونيسيا سيكون اختراقًا دبلوماسيًا هائلًا. دولة بحجمها الإسلامي والدولي ستضيف شرعية جديدة لسياستها.
لكن التحديات عديدة: على إسرائيل أن تقدم تنازلات حقيقية تجاه الفلسطينيين، وهو أمر لا يبدو ممكنًا في ظل الائتلاف اليميني الحاكم حاليًا.
وبالتالي، قد تظل العلاقة مع إندونيسيا تراوح بين الإشارات والآمال، دون خطوات ملموسة.
المخاطر الكامنة: ألغام في الطريق
من خلال تحليل كل التطورات، تبرز عدة مخاطر جدية:
1. فقدان الثقة الشعبية:
إذا شعر الشعب الإندونيسي أن الحكومة تسير سراً نحو التطبيع، فقد تواجه غضباً شعبياً يُفجّر الأوضاع السياسية.
2. استغلال سياسي داخلي وخارجي:
يمكن للمعارضة استغلال أي تقارب لإضعاف الرئيس، كما قد توظفه إسرائيل إعلامياً دون تقديم شيء في المقابل.
3. صراع مع الدستور:
إندونيسيا تُقرّ بدستور يرفض أي شكل من أشكال دعم “الاحتلال”. التطبيع قد يُنظر إليه كخرق لهذا البند.
4. رد فعل الدول الإسلامية:
أي خطوة منفردة قد تضعف موقف الدول الإسلامية الأخرى، وتعرض إندونيسيا لانتقادات من حلفائها التقليديين.
5. خسارة الموقف الأخلاقي:
طالما لم تُحقق فلسطين دولة مستقلة، فإن أي تقارب قد يخصم من رصيد إندونيسيا التاريخي في نصرة العدالة وحقوق الإنسان.
6. إعادة إنتاج سيناريو “قمة شرم الشيخ”:
الانسحابات أو اللقاءات السرية أو الإشاعات، كما حصل مع نتنياهو، تُشوه صورة العملية السياسية، وتجعلها تبدو غير نزيهة أو غير مستقرة.
خلاصة: تقارب أم اختبار؟
المشهد الحالي لا يُظهر تطبيعًا كاملًا وشيكًا، بقدر ما يكشف عن اختبار سياسي معقّد. يبدو أن إندونيسيا تُعيد ضبط خطابها دون أن تُغيّر جوهر موقفها.
لكن هذه “المرونة اللفظية” وحدها تكفي لإشعال جدل داخلي، وإعادة فتح ملفات الهوية والسيادة والمبادئ الخارجية.
ما بين الخوف من التنازلات، والرهان على الانفتاح، يبقى مستقبل العلاقات بين إندونيسيا وإسرائيل رهين الظروف، والشرط الأكبر: العدالة للفلسطينيين أولًا.