تايوان تبني درعها الجوي في وجه الصين
في مشهد سياسي متوتر
- السيد التيجاني
- 11 أكتوبر، 2025
- تقارير
- الصين, تايوان
في مشهد سياسي متوتر وظلال نزاع تزداد كثافة عبر مضيق تايوان، أعلنت الحكومة التايوانية عن مشروع دفاع جوي جديد يُدعى “T-Dome”، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع كإشارة قوية على استعداد تايبيه لمجابهة التهديدات الصينية المتزايدة.
الإعلان جاء ضمن خطاب الرئيس لاي تشينغ‑تي بمناسبة اليوم الوطني لتايوان في 10 أكتوبر 2025، حيث وصف المشروع بأنه “درع متعدد الطبقات” لحماية سماء الجزيرة وسيادتها.
منذ انفصال تايوان عن الحكم الصيني بعد الحرب الأهلية عام 1949، تعتبر بكين الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من أراضيها. ورغم أن تايوان تتمتع بحكم ديمقراطي مستقل، فإن الصين ترفض الاعتراف بها كدولة ذات سيادة وتلوّح باستمرار باستخدام القوة “إذا لزم الأمر” لإعادتها إلى كنفها.
خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت الأنشطة العسكرية الصينية قرب سواحل تايوان، شملت خروقات متكررة لمجالها الجوي، وتدريبات بحرية، واستخدام طائرات مسيّرة قرب الجزر التايوانية. في المقابل، عززت تايوان تعاونها الدفاعي مع الولايات المتحدة، مما زاد من تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.
مشروع T-Dome ليس فقط استثمارًا تقنيًا في الأنظمة الدفاعية، بل أيضًا بيان سياسي. حسب تصريحات الرئيس لاي، فإن النظام سيكون “متعدد الطبقات”، قادرًا على التصدي لمختلف التهديدات الجوية، من الصواريخ الباليستية إلى الطائرات المسيّرة.
ورغم عدم الكشف عن تفاصيل تقنية دقيقة، فإن بعض التحليلات تشير إلى أن النظام قد يستلهم من القبة الحديدية الإسرائيلية أو أنظمة الدفاع الأوروبية،
مع تكييفه لخصوصية التهديدات الصينية. الرئيس التايواني أشار أيضًا إلى نية الحكومة رفع الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من 3% من الناتج المحلي الإجمالي، مع خطط لزيادته إلى 5% بحلول عام 2030.
ردّ الفعل الصيني لم يتأخر. وزارة الخارجية الصينية وصفت إعلان T-Dome بأنه “تصعيد استفزازي”، محذرة من أن “تايوان تلعب بالنار بدعم من قوى خارجية”. في المقابل، جاءت ردود واشنطن أكثر تحفظًا لكنها مشجعة، حيث أشار مسؤول في البنتاغون إلى أن “أي خطوة لتحسين دفاعات تايوان تُعدّ مبرّرة في ظل الظروف الحالية”.
الخبراء يرون أن دعم واشنطن لا يزال حيويًا، لكن محدودًا من الناحية العملية، خاصة في حال اندلاع صراع مباشر. تظل المساعدات العسكرية الأميركية لتايوان موضوعًا حساسًا، وغالبًا ما يُقابل بضغوط صينية مباشرة.
يرى الخبير العسكري التايواني ويليام تشونغ من معهد الأبحاث الدفاعية في تايبيه أن T-Dome مشروع طموح، لكنه يحتاج إلى خمس إلى سبع سنوات حتى يكتمل، ويتطلب بنية تحتية متقدمة واتصالًا عاليًا بالأقمار الصناعية وأنظمة الإنذار المبكر.
أما الباحث الأمريكي إيريك سافيتز، فيؤكد أن الدفاع الجوي ليس وحده كافيًا، بل يجب أن يُرافق بتحديث شامل في سلاح الجو، والاستخبارات، وأنظمة الحرب السيبرانية.
في المقابل، يعتبر المحلل الصيني لي وي أن المشروع لن يغيّر شيئًا جوهريًا في ميزان القوى، بل سيزيد فقط من استفزاز الصين، حسب تعبيره.
رغم أن T-Dome يبدو مشروعًا دفاعيًا بحتًا، إلا أن توقيته وتركيزه يفتحان بابًا للتساؤل: هل تخطو تايوان بثبات نحو استراتيجية ردع حازمة قد تُقرّب سيناريو المواجهة؟
الخبير في شؤون شرق آسيا جوناثان ستروبر يرى أننا أمام مرحلة ما قبل الأزمة، مؤكدًا أن هذه الأنظمة قد تحمي، لكنها أيضًا تُؤشّر على أن تايوان لا تنتظر حتى تُهاجم، بل تبني ببطء قدرة ردع مؤلمة لأي خصم.
مشروع T-Dome قد لا يكون الحل النهائي للتهديدات الوجودية التي تواجه تايوان، لكنه دون شك يشكل مرحلة جديدة في تطور عقيدتها الدفاعية. وبينما تواصل الصين ضغطها السياسي والعسكري، تبدو تايبيه عازمة على بناء شبكة أمان سيادية، مهما بلغت الكلفة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل هذا الدرع سيحمي الجزيرة؟ أم سيكون مجرد طبقة رقيقة أمام عاصفة قادمة؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة.