الفاشر تحت النار: ثلاثة أيام من الدم والدمار في غرب السودان

في واحدة من أكثر موجات العنف

في واحدة من أكثر موجات العنف دموية منذ بداية الحرب في السودان، أعلنت الأمم المتحدة عن مقتل 53 مدنيًا على الأقل خلال ثلاثة أيام من الهجمات المتواصلة على مدينة الفاشر ومخيماتها. وأصيب أكثر من 60 آخرين بجروح، في وقتٍ ما زال فيه عدد الضحايا في ارتفاع مستمر.

قصف المستشفيات والملاجئ

كانت الضربات التي نفذتها قوات الدعم السريع شبه العسكرية مروعة بشكل خاص، حيث استهدفت المناطق المدنية في حيّ أبو شوك ودرجة أولى، بالإضافة إلى مخيم النازحين بمدينة الفاشر. وأكد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان أن من بين القتلى الـ46 الذين سقطوا في هذه الهجمات، توفي أكثر من 12 شخصًا في قصف على أحد آخر المستشفيات العاملة في المدينة.

لم تسلم المساجد أيضًا. فقد طال القصف مسجدًا قريبًا من المستشفى، كان يستخدمه السكان كمأوى مؤقت، ما تسبب في سقوط ضحايا جدد بين من ظنوا أن بيوت الله ستمنحهم بعض الأمان.

إعدامات ميدانية بدوافع عرقية

إلى جانب الضربات الجوية والمدفعية، نُفذت غارات برية أسفرت عن إعدام ما لا يقل عن سبعة أشخاص بإجراءات موجزة. وأفاد مكتب حقوق الإنسان أن هذه العمليات كانت مدفوعة باعتبارات عرقية، ما يثير مجددًا المخاوف من تكرار سيناريوهات التطهير العرقي التي عاشتها دارفور في سنوات سابقة.

وصرّح المفوض السامي فولكر تورك قائلاً:”رغم الدعوات المتكررة لوقف استهداف المدنيين، تستمر قوات الدعم السريع والجيش السوداني في تجاهل القانون الدولي، وتتمادى في قتل الأبرياء وتشريدهم، وتدمير ما تبقى من البنى التحتية المدنية”.

دعوات عاجلة لحماية المدنيين

في ضوء هذه الأحداث، وجّه تورك نداءً عاجلًا إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي تمتلك تأثيرًا على أطراف النزاع. وطالبها باتخاذ خطوات فورية لحماية المدنيين ومنع وقوع المزيد من الفظائع، محذرًا من أن الوضع في الفاشر ينحدر إلى كارثة إنسانية متكاملة الأركان.

دارفور في عين العاصفة

منذ اندلاع النزاع بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، أصبحت دارفور مجددًا مسرحًا لعمليات عنف واسعة النطاق. وخلال عامين من الحرب، قُتل أكثر من 40 ألف شخص، وشُرّد ما يزيد عن 14 مليونًا من منازلهم.

في قلب هذه المأساة تقع مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، التي تعاني من حصار خانق منذ أكثر من عام، مما يجعل إيصال المساعدات الإنسانية أمرًا بالغ الصعوبة.

600 ألف نازح في طويلة

تقول دينيس براون، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان، إن مدينة طويلة الواقعة على مشارف الفاشر تحولت إلى ملاذ أخير لحشود النازحين. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 600 ألف نازح داخلي يتكدسون في المنطقة، معظمهم فرّوا من الفاشر سيرًا على الأقدام أو باستخدام وسائل بدائية.

وفي تصريح مؤلم من على الأرض، قالت براون:”أعتبر طويلة إحدى بؤر ما يُعد كارثة إنسانية واضحة. الأعداد مذهلة، والاحتياجات تفوق كل الإمكانيات المتاحة”.

رحلة من الموت نحو المجهول

روت براون قصة امرأة التقتها في طويلة، كانت قد وصلت لتوها من الفاشر بعد رحلة مضنية دامت سبعة أيام عبر قرى نائية، هربًا من القصف. اصطحبت المرأة أطفالها الخمسة، أحدهم رضيع يعاني من سوء تغذية حاد. كانت تستخدم حمارًا كوسيلة نقل، متجنبة الطرق الرئيسية خوفًا من الهجمات أو الحواجز المسلحة.

وقالت براون إن مثل هذه القصص تتكرر يوميًا، وإن الظروف التي يعاني منها النازحون “تفوق قدرة أي منظمة على التعامل معها في ظل الحصار والتمويل المحدود”.

مساعدات لا تكفي

على الرغم من جهود الجهات المحلية والمنظمات الشريكة، إلا أن مستوى المساعدة المتاحة “غير كافٍ تمامًا”، بحسب الأمم المتحدة. وفي حين تتحدث الأمم المتحدة عن الحاجة إلى خطة إنسانية واسعة النطاق، فإن تلك الخطة لا تزال ممولة بنسبة 25% فقط، ما يعني أن ثلاثة أرباع الاحتياجات لا تجد لها غطاءً ماليًا.

وتضيف براون:”نحن نتحدث عن ملايين الأرواح، أطفال ونساء وشيوخ، لا يملكون الغذاء أو الدواء أو حتى سقفًا يأويهم. هذا الوضع لم يعد يحتمل التأجيل”.

أصوات من داخل الجحيم

من داخل مدينة الفاشر، تصل شهادات قليلة ولكنها مروعة. يقول أحد السكان:”القصف لا يتوقف. لم يعد هناك مكان آمن. المستشفيات تقصف، والمساجد لم تعد ملجأ. نعيش كل يوم وكأنه الأخير”.

ويضيف آخر:”نسمع وعود المجتمع الدولي، لكننا لا نرى شيئًا على الأرض. الناس تموت جوعًا أو برصاص القناصة”.

تحقيقات دولية واتهامات بالجرائم

تواجه كل من قوات الدعم السريع والجيش السوداني اتهامات خطيرة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وتُحقق المحكمة الجنائية الدولية في هذه الانتهاكات، وسط تصاعد الضغوط الدولية لإحالة الملف السوداني إلى مجلس الأمن.

غير أن غياب التوافق السياسي بين القوى الكبرى يعطل حتى الآن أي خطوات فعلية باتجاه وقف إطلاق النار أو فرض عقوبات على المتورطين في الانتهاكات.

الأمل يتلاشى

مع استمرار القتال، وتردي الأوضاع الإنسانية، تتضاءل آمال الملايين في عودة قريبة إلى منازلهم. فالحرب التي بدأت بصراع على السلطة بين جنرالين، تحولت إلى مأساة وطنية لا تُبقي ولا تذر.

ويحذر الخبراء من أن استمرار الوضع بهذا الشكل يهدد بجرّ السودان نحو تقسيم فعلي، وفقدان السيطرة المركزية تمامًا، ما قد يحوّله إلى ساحة لصراعات إقليمية لا نهاية لها.

 نداء لا يسمعه أحد

في ختام بيانه، قال المفوض السامي فولكر تورك:”لقد أطلقنا النداءات. وكررنا المطالب. ورفعنا تقارير الانتهاكات. لكن يبدو أن العالم أصمّ عن آلام هذا البلد. إن تجاهل هذه الكارثة لن يُسقط عنها صفة الجريمة، بل سيجعل الجميع شركاء في صنعها”.

ومع بقاء 260 ألف مدني محاصرين في مدينة الفاشر، ومع اشتداد المعارك، يبقى مصيرهم مرهونًا بإرادة المجتمع الدولي. إن وُجدت.