السودان بين نيران الحرب ومياه الغرق

مأساة مزدوجة تهدد ما تبقّى من الوطن

في بلد يتآكله الصراع من الداخل، لا تأتي الكوارث فرادى. فالسودان، الذي يئنّ تحت وطأة حرب أهلية دموية منذ أكثر من عام، يواجه اليوم كارثة جديدة لا تقل خطورة: فيضانات مدمّرة تضرب عدة مناطق، وتزيد من معاناة السكان المحاصرين بين الجوع والنزوح والخوف.

الحرب التي لم تتوقف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لا تزال تمزّق العاصمة الخرطوم ومدن دارفور وكردفان، بينما تستمر الاشتباكات والقصف العشوائي على الأحياء السكنية دون هوادة. ومع تدمير البنية التحتية، تعاني المستشفيات من الانهيار، فيما تزداد صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية.

وفي خضم هذه الحرب، جاء موسم الأمطار هذا العام أكثر عنفًا من المعتاد، حيث فاض نهر النيل وتدفقت السيول عبر القرى والضواحي، مخلّفة دمارًا هائلًا في الممتلكات والمزارع، وأدت إلى نزوح آلاف العائلات مرة أخرى – لكن هذه المرة، من المياه وليس من الرصاص.

المشهد في المخيمات مؤلم: لا كهرباء، لا مياه صالحة للشرب، وأمراض تنتشر كالنار في الهشيم. الأطفال بلا تعليم، والكبار بلا عمل، والقلق الأكبر: لا أفق واضح لنهاية قريبة لأي من الأزمتين.

منظمات الإغاثة تحذّر من “كارثة إنسانية شاملة”، بينما تدعو الأمم المتحدة والأطراف الإقليمية إلى وقف إطلاق النار فورًا لإفساح المجال لإغاثة المدنيين. لكن النداءات تتبدّد وسط صمت السلاح الثقيل وهدير الأمطار.

السودان اليوم ليس فقط في خطر التفكك السياسي، بل على شفا الانهيار الكامل تحت ثقل أزمات متداخلة: حرب لا تنتهي، وغرق لا يُواجه، وشعب يصرخ في صمت.

تمر السودان بأصعب فصوله منذ عقود، حيث تتداخل أزمات متشابكة تهدد استقرار البلاد وأمن شعبها. الحرب الأهلية المستمرة منذ أكثر من عام بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا تزال تحصد الأرواح وتدمر المدن، في وقت تضرب فيه الفيضانات غير المسبوقة مناطق واسعة، فتزيد من معاناة الملايين.

خلفية الصراع العسكري

اندلع النزاع في أبريل 2023 بعد خلافات عميقة بين مكونات الحكم الانتقالي، تحوّل سريعًا إلى مواجهة مسلحة في العاصمة الخرطوم وامتد إلى مناطق دارفور، كردفان، والنيل الأزرق. الصراع أوقع عشرات آلاف القتلى والجرحى، وأجبر أكثر من مليوني شخص على النزوح داخل البلاد وخارجها.

يقول المحلل السياسي السوداني د. مصطفى علي:”هذا الصراع ليس مجرد نزاع عسكري، بل هو صراع على النفوذ والهوية السياسية في بلد يعاني من هشاشة مؤسساتية عميقة.”

الكارثة البيئية وفصل الفيضانات

في الوقت الذي تتصاعد فيه المعارك، فاض نهر النيل وكسرت السيول ضفافه في عدة ولايات، ما أدى إلى غمر آلاف المنازل والمزارع وقطع طرق حيوية. المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وصفت الفيضانات بأنها “ضربة قاصمة لسكان البلاد الذين يعانون أصلاً من ويلات الحرب”.

تصريحات دولية ومحلية

الأمم المتحدة: أعرب المتحدث باسم الأمين العام عن قلقه العميق وقال:”ندعو جميع الأطراف إلى التهدئة الفورية وفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.”

الاتحاد الأفريقي: طالب بوقف إطلاق النار فورًا، مؤكّدًا أن الأزمة السودانية تتطلب حلاً سياسياً شاملاً يعيد بناء الثقة بين الأطراف.

الحكومة السودانية: نفت الاتهامات باستخدام القوة المفرطة، وأعلنت أنها تبذل جهودًا لإنهاء النزاع، مع الالتزام بتنسيق الإغاثة للمتضررين من الفيضانات.

منظمات المجتمع المدني: عبرت عن إحباطها من بطء الاستجابة ونددت بـ”معاناة المدنيين التي تتضاعف بفعل الازدواجية بين الحروب والكوارث الطبيعية”.

تأثير الأزمة على السكان

في مخيمات النزوح التي تزدحم بالأطفال والنساء، يزداد انعدام الأمن الغذائي وانتشار الأمراض، وسط نقص المياه النظيفة وغياب الخدمات الصحية. تقارير طبية تحذر من موجات جديدة من الكوليرا والأمراض التنفسية، في ظل غياب الرعاية الكافية.

المواطن أحمد محمد، أحد النازحين من دارفور، قال بصوت مكسور:”لم نعد نعرف إلى أين نذهب، هل نهرب من الرصاص أم من المياه؟”.

السيناريوهات المستقبلية

في ظل استمرار النزاع وتفاقم الكارثة البيئية، يواجه السودان خيارات صعبة: إما توصل عاجل لاتفاق سلام يوقف نزيف الدم، وفتح المجال لمساعدة شاملة، أو الغرق في أزمات مستمرة تزيد من تفكك الدولة وانهيارها.

خبراء يشيرون إلى ضرورة تدخل دولي إقليمي فاعل لدعم حلول مستدامة، مع إشراك السودانيين في حوار شامل يضع حدًا للصراع ويرسم خارطة طريق لإنقاذ البلاد من هذه المحنة المتعددة الأبعاد.