ترامب يقلل من أزمات الشرق الأوسط

تحليل سياسي يكشف تجاهل واشنطن لقوة العرب

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مقابلة مع شبكة “وان أمريكا نيوز”، إن “مشكلة الشرق الأوسط قد تُحل بعد 3000 عام”، مضيفاً أن الولايات المتحدة “ستحصل على غزة إلى جانب السلام الشامل”. واعتبر ترامب أن ما حققه خلال فترة رئاسته لم يسبقه إليه أحد، مؤكداً أنه “أوقف سبع حروب وقد تصبح ثمانية”.

التصريحات التي أثارت جدلاً، تعكس نظرة استعلائية أمريكية تجاه قضايا المنطقة، وتكشف عن العقلية التي تتعامل بها واشنطن مع الشرق الأوسط باعتباره ساحة نزاع أبدية. لكن قراءة متأنية للمشهد تكشف أن العرب، لو توحدت إرادتهم، يملكون أوراقاً استراتيجية يمكن أن تعيد رسم الخريطة السياسية والاقتصادية العالمية.

ما قاله ترامب ليس مجرد تصريح عابر، بل يعبر عن قناعة راسخة في أذهان كثير من الساسة الغربيين: أن الشرق الأوسط سيبقى في حالة فوضى مستمرة، وأن العرب عاجزون عن إدارة ملفاتهم دون تدخل خارجي. هذا الخطاب يكرس صورة “الوصاية الغربية” على المنطقة، ويُظهر كيف ينظر البيت الأبيض إلى القضايا العربية وكأنها ورقة مساومة في سياساته الدولية.

لكن الحقيقة أن هذه النظرة تتجاهل قوة العرب الكامنة، السياسية والاقتصادية والعسكرية، والتي إن استُخدمت بفاعلية، لكانت كفيلة بكبح الغطرسة الأمريكية وإجبارها على التعامل بندية.

 ما الذي يملكه العرب؟

العرب يملكون ما يقارب نصف احتياطي النفط العالمي، ويشكلون مورداً أساسياً للطاقة في العالم. دول الخليج، العراق، الجزائر، ليبيا وغيرها، تمثل شريان الحياة للاقتصاد الغربي. أما الغاز الطبيعي، فتمتلك قطر أكبر احتياطي عالمي تقريباً، إضافة إلى الجزائر ومصر.

عام 1973، استخدمت الدول العربية النفط كسلاح سياسي في حرب أكتوبر، وأجبرت الغرب على الانصياع. تلك التجربة تبقى مثالاً عملياً على أن الموارد ليست مجرد مصدر دخل، بل ورقة ضغط حقيقية إذا ما استُخدمت بقرار جماعي.

قناة السويس في مصر، مضيق هرمز في الخليج، وباب المندب في اليمن، كلها نقاط استراتيجية تتحكم في حركة التجارة والطاقة بين الشرق والغرب. أي تعطيل أو تهديد لهذه الممرات ينعكس فوراً على أسعار الطاقة، ويؤدي إلى اضطرابات اقتصادية عالمية. هذه الجغرافيا تمنح العرب سلاحاً استراتيجياً يفوق في قيمته العسكرية أي ترسانة.

العالم العربي يضم أكثر من 400 مليون نسمة، يمثلون سوقاً هائلاً للسلع الغربية. أي تحرك نحو الاكتفاء الذاتي أو التوجه شرقاً نحو الصين والهند كبدائل، سيحرم الغرب من أحد أكبر أسواقه الحيوية.

رغم التباين في القدرات، يملك العرب جيوشاً تتفوق عدداً وتسليحاً في كثير من المجالات. ومع الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، يمكن لهذه القوى أن تصبح عامل ردع حقيقي. التجارب الأخيرة في فلسطين واليمن أظهرت أن الإرادة الشعبية قادرة على تغيير موازين القوى رغم فارق الإمكانيات.

لماذا لا تُستخدم هذه الأوراق؟

الجواب يكمن في غياب الوحدة. الغرب يراهن دائماً على تفتيت القرار العربي، والتعامل مع كل دولة على حدة. وبدلاً من أن تتحول الثروة النفطية والغازية إلى ورقة تفاوضية، تتحول إلى أداة ابتزاز ضد العرب أنفسهم عبر العقوبات أو الاتفاقيات المفروضة.

لا يمكن فصل تصريحات ترامب عن الدور الإسرائيلي. فإسرائيل تسعى دائماً إلى تصوير العرب كأمم متفرقة، وإلى ترسيخ فكرة أن الحل الوحيد في الشرق الأوسط يمر عبرها. الخطاب الأمريكي، بما فيه تصريحات ترامب، يعزز هذا التصور، ويضع العرب في موقع “التابع” بدلاً من “الشريك”.

ما يجب أن يطرح ؟

  • لماذا يستمر العرب في تصدير النفط والغاز بأسعار مستقرة بينما تُستخدم مواردهم في تمويل حروب ضدهم؟

  • متى يتحول النفط والغاز من سلعة اقتصادية إلى أداة سياسية مؤثرة؟

  • كيف يمكن للعرب أن يبنوا اتحاداً اقتصادياً يضمن لهم الاستقلالية عن الغرب؟

  • هل يمكن إعادة تجربة 1973 بصورة جديدة في ظل التوازنات الحالية؟

ماذا لو توحد العرب؟

إذا قررت الدول العربية إنشاء اتحاد اقتصادي حقيقي، يعتمد على السوق العربية المشتركة، فإن الغرب سيجد نفسه أمام قوة مالية واستثمارية قادرة على منافسة الاتحاد الأوروبي.

إيقاف تصدير النفط والغاز أو تقليصه تدريجياً كرد على سياسات معادية، سيؤدي إلى صدمة في الأسواق العالمية، ويجبر القوى الكبرى على إعادة حساباتها.

إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة، لحماية الممرات البحرية والثروات الطبيعية، سيغير المعادلة الأمنية في المنطقة، ويجعل أي تهديد خارجي مغامرة غير محسوبة.

تصريحات ترامب تعكس غروراً سياسياً واستعلاءً أمريكياً، لكنها أيضاً تكشف نقطة ضعف الغرب: خوفه من وحدة العرب. فطالما ظل العرب متفرقين، سيبقى ترامب وغيره ينظرون إليهم باعتبارهم مجرد “أرقام” في حسابات السياسة الدولية. أما إذا توحدت الإرادة العربية، فسيصبح ترامب مضطراً إلى الاعتراف بقوة لا يمكن تجاهلها.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يستمر العرب في تضييع أوراق قوتهم، أم يستيقظون ليحولوا ثرواتهم إلى سلاح يفرض احترامهم على العالم؟