غوتيريش يرفض الترهيب الإسرائيلي لدول العالم

لا يجب أن يُرهب العالم من تهديدات إسرائيل

في مقابلة حصرية مع وكالة فرانس برس من مقر الأمم المتحدة في نيويورك، وجّه الأمين العام أنطونيو غوتيريش رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي:

لا يجب أن يُرهب العالم من تهديدات إسرائيل بشأن ضمها التدريجي للضفة الغربية المحتلة.

تحذير من الضم الإسرائيلي

يأتي ذلك في لحظة حرجة، حيث تتصاعد التحركات الدولية، بقيادة فرنسا، للاعتراف بدولة فلسطينية خلال أسبوع الأمم المتحدة رفيع المستوى، الذي سيجمع أكثر من 140 رئيس دولة وحكومة.

تحذير من الضم الإسرائيلي

التصريحات تحمل في طياتها تحدياً مباشراً للخطاب الإسرائيلي، الذي لوّح باستخدام “قوة غير مسبوقة” في حال مضت الدول قدماً نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فبحسب غوتيريش، “سواءٌ فعلنا ما نفعله أم لا، ستستمر هذه الأعمال”،

مؤكداً أن الخطوة الدولية قد تفتح نافذة ضغط جديدة لوقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.

المأساة الإنسانية في غزة

في خضم الحرب المستمرة على قطاع غزة، وصف الأمين العام الوضع هناك بأنه “أسوأ مستوى من الموت والدمار” شهده خلال ولايته، بل وربما في حياته.

تحدث عن مشاهد المجاعة، غياب الرعاية الصحية، ومئات الآلاف ممن فقدوا منازلهم ويعيشون في ظروف مأساوية داخل مناطق مكتظة باللاجئين.

تلك الكلمات لم تكن مجرد توصيف تقني، بل صرخة تحذير من تفكك النظام الإنساني الدولي أمام أعين العالم. ففي حين تواصل إسرائيل قصفها، يلتزم المجتمع الدولي الرسمي بالصمت أو الاكتفاء بالتصريحات الدبلوماسية. الولايات المتحدة، الحليف الأقوى لإسرائيل.

اختارت هذه المرة الامتناع عن انتقاد تل أبيب أو حتى التعليق على خطط الضم، لكنها سارعت إلى انتقاد حلفائها الأوروبيين الذين أعلنوا نيتهم الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

البعد السياسي للاعتراف بالدولة الفلسطينية

من المتوقع أن يشهد الأسبوع الأممي اعتراف عشر دول جديدة بفلسطين كدولة، رغم المعارضة الإسرائيلية الشرسة. هذه الخطوة،

وإن لم تحمل في المدى المباشر تغييراً ملموساً على الأرض، تمثل تحدياً حقيقياً لإستراتيجية إسرائيل التي يسعى وزراؤها المتطرفون إلى “دفن فكرة الدولة الفلسطينية” نهائياً.

وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش دعا صراحة إلى ضم مساحات واسعة من الضفة الغربية، في محاولة لتكريس واقع الدولة الواحدة بالقوة.

لكن في المقابل، يرى مراقبون أن هذه الخطوات الدولية تعيد الاعتبار إلى القضية الفلسطينية بعد سنوات من التهميش، وتؤسس لمرحلة جديدة من الضغط الدبلوماسي على تل أبيب.

التوتر بين المبادئ والمصالح

التصريحات الأممية تضع المجتمع الدولي أمام معضلة: هل يخضع لمعادلة القوة التي تفرضها إسرائيل وحلفاؤها، أم يختار الانتصار لمبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان؟ غوتيريش نفسه أقرّ بأن الطريق محفوف بالمخاطر.

لكنه شدد على أن “الخوف من الانتقام” لا يجب أن يكون مبرراً للسكوت أو التردد.

هذا التوتر يعكس جوهر الأزمة الأممية الحالية: منظمة تأسست لتجنيب العالم الحروب والصراعات، لكنها تجد نفسها عاجزة أمام قوى كبرى تمتلك حق النقض أو النفوذ السياسي والعسكري.

المناخ: هدف 1.5 درجة على وشك الانهيار

بعيداً عن الشرق الأوسط، لم يغفل غوتيريش عن ملف آخر يهدد مصير البشرية جمعاء: أزمة المناخ. حذّر الأمين العام من أن الهدف العالمي للحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة بات مهدداً بالانهيار.

فوفقاً لاتفاقية باريس لعام 2015، كان على الدول تقديم مساهماتها المحددة وطنياً (NDCs) بحلول هذا العام لتوضيح خططها حتى 2035.

لكن حتى الآن، تباطأت عشرات الدول، وعلى رأسها الصين والاتحاد الأوروبي، في الإعلان عن استراتيجياتها، وسط توترات جيوسياسية وتجارية متزايدة.

“نحن على وشك انهيار هذا الهدف”، قال غوتيريش بلهجة صريحة، مضيفاً أن العالم بحاجة ماسة إلى خطط عمل شاملة تقلل الانبعاثات بشكل كبير خلال السنوات القليلة المقبلة.

الأزمات المتشابكة

جزء من أزمة المناخ يعود إلى تراكم الأزمات العالمية: جائحة كورونا التي عطلت الاقتصادات، الحروب الممتدة من أوكرانيا إلى غزة، التوترات بين القوى الكبرى، والتنافس على الموارد.

هذه الأحداث دفعت ملف المناخ إلى الهامش، رغم أنه يشكل تهديداً وجودياً لا يقل خطورة عن النزاعات المسلحة.

غوتيريش يسعى، عبر قمة المناخ التي سيترأسها مع الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا في نيويورك، إلى إعادة إشعال الزخم الدولي قبل انعقاد مؤتمر الأطراف الثلاثين (COP30) في البرازيل.

لكنه عبّر عن قلقه من أن الخطط الوطنية قد لا تكون متوافقة مع الهدف الطموح، وهو ما قد يضع العالم على مسار كارثي.

العلم يحذر… والسياسة تتلكأ

التقديرات الصادرة عن مرصد كوبرنيكوس الأوروبي تشير إلى أن متوسط حرارة المناخ اليوم ارتفع بمقدار 1.4 درجة مئوية مقارنةً بعصر ما قبل الصناعة.

هذا يعني أن الوصول إلى عتبة 1.5 درجة قد يتحقق قبل نهاية العقد الجاري، وهو ما سيضاعف من موجات الجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير.

العلماء يحذرون، لكن الإرادة السياسية لا تزال متعثرة. فبينما تتحدث الدول الكبرى عن التزاماتها المناخية، تستمر في استهلاك النفط والغاز والفحم بوتيرة متزايدة.

مسؤولية جماعية وفرص ضائعة

تطرح تصريحات غوتيريش سؤالاً محورياً: هل العالم قادر على مواجهة تحدياته الكبرى بشكل متزامن؟ في الوقت الذي يغرق فيه الشرق الأوسط في صراعات دموية، يعاني الكوكب من اختلال بيئي يهدد بقاءه.

كلا الملفين – فلسطين والمناخ – يكشفان عن أزمة أعمق تتعلق بغياب الإرادة الجماعية وقدرة النظام الدولي على تجاوز الحسابات الضيقة.

الأمم المتحدة تسعى لإعادة تعبئة المجتمع الدولي، لكن الانقسامات بين القوى الكبرى تجعل أي تحرك حقيقي رهينة للتجاذبات.

ومع ذلك، فإن كلمات الأمين العام تسلط الضوء على ضرورة استعادة الثقة بالدبلوماسية، ليس فقط من أجل إنهاء الحروب، بل أيضاً لإنقاذ الكوكب.

بين الأمل واليأس

في نهاية المطاف، قد يُنظر إلى تصريحات غوتيريش باعتبارها دعوة مزدوجة: مواجهة الاحتلال الإسرائيلي ومنع انهيار النظام المناخي.

كلا القضيتين تشتركان في عنصر أساسي هو العدالة. فالشعب الفلسطيني يبحث عن العدالة في مواجهة الاحتلال،

بينما تسعى البشرية كلها إلى عدالة مناخية تضمن بقاء الأجيال القادمة.

لكن ما بين الطموح والواقع، يبقى العالم عالقاً في شبكة معقدة من المصالح، حيث يطغى صوت السلاح والمال على صوت الضمير والعلم.