هل تستطيع الدول الإسلامية التضحية بمصالحها لأجل فلسطين؟
فلسطين تنتظر التحرير منذ 76 عامًا
أجبرت الضربة الإسرائيلية على الدوحة 79 دولة على الإدانة. ومع ذلك، يعلم الفلسطينيون أن التصريحات لا تُنهي الحصار ولا تُوقف القنابل. يمتلك العالم الإسلامي قوة عسكرية واقتصادية هائلة. السؤال الحقيقي: هل سيتحرك القادة أخيرًا، أم سيكررون التاريخ؟
في الأسبوع الماضي، أصابت صواريخ إسرائيلية قلب الدوحة، مما أسفر عن مقتل خمسة من أعضاء حماس ومسؤول أمني قطري. وجاء الهجوم في الوقت الذي اجتمع فيه قادة حماس لمناقشة اقتراح وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في غزة. ولأول مرة منذ عقود، شنت إسرائيل هجومًا مباشرًا على دولة خليجية، إحدى أقرب حلفاء واشنطن.
اجتمع الاثنين قادة 57 دولة إسلامية و22 دولة عربية في الدوحة في قمة طارئة. وأصدروا بيانًا شديد اللهجة أدانوا فيه إسرائيل، ووعدوا باتخاذ إجراءات منسقة. ومع ذلك، إذا استرشدنا بالتاريخ، فقد لا يبقى لهذه الكلمات صدى في المنطقة، بينما تستمر معاناة الفلسطينيين دون هوادة.
أصدرت منظمة التعاون الإسلامي قرارات لا تُحصى بشأن فلسطين. وعقدت جامعة الدول العربية اجتماعات عاجلة ردًا على كل تصعيد. ومع ذلك، تستمرّ المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية في التوسع، ولا يزال الأطفال الفلسطينيون يُقتلون جراء القصف.
عندما قتلت الصواريخ الإسرائيلية أكثر من 15 ألف طفل في غزة، دعا القادة العرب إلى السلام. وعندما اقتحمت القوات الإسرائيلية المسجد الأقصى – أحد أقدس المواقع الإسلامية – أصدروا بيانات. وعندما جاع سكان غزة، أرسلوا مساعدات إنسانية، بينما استمروا في التعامل التجاري مع الدول الغربية الداعمة لإسرائيل.
الانقسامات الداخلية
إن أكبر نقاط ضعف العالم الإسلامي ليست النقص العسكري، بل الانقسام الداخلي. فلا تزال المملكة العربية السعودية السنية وإيران الشيعية عالقتين في حروب بالوكالة، معتبرتين فلسطين غنيمة رمزية لا قضية مشتركة للوحدة.
في قمة الدوحة، وقف رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم إلى جانب رئيس جهاز الأمن والمخابرات الإيراني علي لاريجاني، الذي دعا مجددًا إلى تشكيل “غرفة عمليات مشتركة” لمواجهة العدوان الإسرائيلي. لكن هذه الدعوات تُطلق منذ عقود، دون جدوى تُذكر.
المفارقة لافتة للنظر. تنفق الدول ذات الأغلبية المسلمة مئات المليارات سنويًا على الدفاع، وهو مبلغ يفوق إنفاق العديد من القوى الغربية مجتمعة. تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتعتبر باكستان قوة نووية، وتمتلك المملكة العربية السعودية أسلحة متطورة. ومع ذلك، لا تزال هذه الترسانة الهائلة مجزأة، مشلولة بانعدام الثقة والتنافس. في الوقت نفسه، تحتفظ إسرائيل بتفوقها العسكري بفضل الدعم الأمريكي الثابت.
قوة اقتصادية غير مستغلة
لعلّ أعظم ثروة مُهدرة في العالم الإسلامي هي نفوذه الاقتصادي. تسيطر دول الخليج على ما يقرب من ثلث احتياطيات النفط العالمية، ويقع مضيق هرمز وقناة السويس، شريانان حيويان للتجارة العالمية، ضمن الأراضي الخاضعة لسيطرة المسلمين، ويمثل مليارا مسلم أسواقًا استهلاكية ضخمة.
ومع ذلك، نادرًا ما تُوظَّف هذه القوة من أجل العدالة الفلسطينية. في عام 1973، فرض منتجو النفط العرب حظرًا نفطيًا هزّ الاقتصادات الغربية. واليوم، تُعطي دول الخليج الأولوية لصفقات الأسلحة وشراكات الاستثمار مع حلفاء إسرائيل، غالبًا على حساب أرواح الفلسطينيين.
تُجسّد قطر، الدولة المضيفة للقمة، هذا التناقض. فصندوقها السيادي يستثمر مليارات الدولارات في أنحاء الغرب، وشبكة الجزيرة تُشكّل الخطاب العالمي، وتستضيف الدوحة أكبر قاعدة أمريكية في غرب آسيا. إذا كانت هناك دولة تملك النفوذ لفرض عواقب حقيقية، فهي قطر. والسؤال هو: هل ستستخدم الدوحة هذا النفوذ، أم ستكتفي بتصريحات شديدة اللهجة؟
لقد أتقنت إسرائيل السيطرة على السرد العالمي من خلال شبكات الضغط، والتأثير الإعلامي، وجماعات المناصرة الممولة تمويلًا جيدًا. يهيمن متحدثوها على استوديوهات التلفزيون، ويشكلون التصورات بدقة متناهية. في المقابل، فشلت الدول الإسلامية في الاستثمار في دبلوماسية ثقافية أو تواصل استراتيجي مماثل. وتكافح الأصوات الفلسطينية من أجل الظهور، حيث تطغى عليها أجهزة الإعلام الإسرائيلية المتطورة.
يُجسّد احتضان الإمارات العربية المتحدة للتطبيع مع إسرائيل هذا الفشل. فرغم استمرار الاحتلال ونموّ الاستيطان، تُصوّر أبوظبي تحالفها مع تل أبيب على أنه انتصارٌ للبراغماتية. وحذت المغرب حذوها، مُقايضةً التضامن الفلسطيني باعتراف الولايات المتحدة بمطالبتها بالصحراء الغربية. وتُلمّح السعودية إلى التطبيع، ولكن فقط عند تحقيق الدولة الفلسطينية – وهو شرطٌ لا تُبدي إسرائيل نيةً لتحقيقه.
فجوة بين الشعوب والقادة
في جميع أنحاء العالم الإسلامي، لا يزال التضامن الشعبي مع فلسطين قويًا. من جاكرتا إلى إسطنبول، يتظاهر الملايين من أجل غزة. وتحظى الحملات الإلكترونية باهتمام عالمي. ومع ذلك، تقمع الأنظمة الاستبدادية هذه الطاقة، خوفًا من أن تُغذي المعارضة الداخلية. في مصر، يُعتقل المتظاهرون. وفي السعودية، يُطلب من الأئمة تخفيف حدة خطبهم. وفي الإمارات، يُشيد الشباب علنًا بتعددية تل أبيب بينما تحترق غزة.
إن الفجوة بين غضب المواطنين العاديين وحذر الزعماء لم تكن أوسع من أي وقت مضى.
تُمثّل ضربة إسرائيل على الدوحة لحظةً فريدة. فعلى عكس الهجمات السابقة على لبنان أو سوريا، استهدفت هذه الضربة دولةً خليجيةً ثريةً ونافذةً، وثيقة الصلة بالولايات المتحدة. تستضيف قطر قاعدةً عسكريةً أمريكيةً رئيسية، وتتمتّع بموارد ماليةٍ هائلة، وتتمتّع بنفوذٍ دوليٍّ لا يتناسب مع حجمها. إن وُجدت فرصةٌ لتغيير موازين القوى، فهي هذه.
لكن رد واشنطن كان ذا دلالة. فبدلاً من إدانة الضربة، سافر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى تل أبيب للقاء رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وكانت الرسالة جلية: حتى عندما تهاجم إسرائيل حليفًا أمريكيًا، يبقى دعم الولايات المتحدة لإسرائيل ثابتًا.
لن يُزيل المستوطنون الإسرائيليون البؤر الاستيطانية بسبب بيانات القمة الإسلامية. ولن ينتهي حصار غزة لمجرد إدانة 79 دولة له في قاعات مؤتمرات فخمة، إن التغيير الحقيقي يتطلب التضحيات: الضغط الاقتصادي المؤثر، والعزلة الدبلوماسية المهمة، والتنسيق الاستراتيجي الذي يتجاوز الانقسامات الطائفية.
الأسلحة موجودة، والواجب الأخلاقي موجود. لكن ما يبقى غير مؤكد هو مدى توافر الإرادة السياسية لاستخدامها.
ينتظر مليونا غزّي إجابة. مليارا مسلم يملكون القدرة على توفيرها. الاختبار الحقيقي لقمة الدوحة لا يكمن في الخطابات، بل في الإجراءات المتخذة في الأسابيع التي تلي. لقد انتظرت فلسطين 76 عامًا للتحرير. والسؤال هو: هل سيُطابق المدافعون عنها أخيرًا أفعالهم مع تصريحاتهم؟