هآرتس: القادة العرب “صفر قيمة” على خارطة العالم

خاضعين للهيمنة الأمريكية ومضطهدين لشعوبهم

أثار مقال نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية جدلاً واسعاً بعدما وصفت قادة الدول العربية بأنهم “صفر قيمة” على خريطة النظام العالمي، بلا صوت ولا نفوذ، خاضعين للهيمنة الأمريكية، ومضطهدين لشعوبهم.

المقال لم يكن مجرد رأي صحفي عابر، بل يعكس رؤية إسرائيلية عميقة لطبيعة موقع العرب في النظام الدولي في ظل التحولات الإقليمية والدولية التي يشهدها الشرق الأوسط.

وبينما تلقّى المقال تفاعلاً كبيراً في الأوساط الإعلامية العربية، انقسمت الآراء بين من اعتبره توصيفاً واقعياً لأوضاع العالم العربي، وبين من رأى فيه استفزازاً مقصوداً يستهدف كرامة الدول العربية ومكانتها.

مضمون مقال هآرتس

المقال الذي نشر في قسم الرأي بـ هآرتس لم يكتفِ بالنقد، بل ذهب بعيداً في نزع أي قيمة سياسية عن الحكومات العربية، إذ جاء فيه:

أن قادة العرب بلا نفوذ في الساحة الدولية، لا في واشنطن ولا في بروكسل ولا حتى في الأمم المتحدة.

أن الولايات المتحدة تمارس عليهم ضغوطاً دائمة، وهم بدورهم يفرغون هذه الضغوط على شعوبهم بالقمع والاضطهاد.

أن غياب الرؤية العربية المشتركة جعل المنطقة ملعباً مفتوحاً لإيران وتركيا وإسرائيل نفسها، بينما يغيب الدور العربي الجماعي تماماً.

بهذا الخطاب القاسي، أرادت الصحيفة الإسرائيلية أن تُظهر أن أي قمم عربية أو إسلامية ليست سوى مظاهر شكلية، وأن القرار الحقيقي يُصنع في العواصم الغربية.

ردود أفعال عربية

غضب واستنكار

عدد من الكُتّاب العرب اعتبروا المقال إهانة متعمدة، لا سيما مع انعقاد القمة العربية الإسلامية الأخيرة في الدوحة، حيث حاول القادة العرب إظهار صورة من الوحدة. يقول محلل سياسي في القاهرة:

“هذا الوصف ليس جديداً، لكنه جارح. إسرائيل تدرك أن الشارع العربي حساس تجاه فكرة الكرامة الوطنية، لذلك تسعى عبر صحفها لإبراز أن حكوماته مجرد أدوات.”

واقعية قاسية

في المقابل، رأى آخرون أن المقال لم يأتِ بجديد، بل عبّر عن حقيقة مرة. كاتب من بيروت علق قائلاً:

> “لو لم تكن هناك وقائع تثبت هذا التوصيف، لما جرؤت صحيفة إسرائيلية على نشره. الواقع أن العرب اليوم غائبون عن موازين القوة، ولا أحد يسمع صوتهم إلا عبر بيانات شجب.”

ردود فعل رسمية باهتة

المثير أن أي ردود رسمية عربية لم تصدر حتى الآن، وكأن الصمت جاء تأكيداً على ما قالته الصحيفة. هذا الصمت نفسه اعتبره البعض شكلاً من أشكال العجز عن مواجهة النقد الإعلامي الإسرائيلي.

ردود أفعال إسرائيلية

داخل إسرائيل، لم يكن المقال مفاجئاً، بل انسجم مع خطاب شائع يروج لفكرة أن العالم العربي فقد وزنه الإستراتيجي. بعض المعلقين الإسرائيليين ذهبوا إلى القول إن:

“الفراغ العربي هو ما يمنح إسرائيل هامش الحركة الأوسع في المنطقة.”

“حتى في الصراع مع غزة أو إيران، لا يستطيع العرب تقديم شيء سوى الوساطة الشكلية.”

بهذا المنطق، فإن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي يسعى لتعزيز صورة إسرائيل كقوة إقليمية كبرى مقابل “صفر” عربي.

آراء محللين

1. البُعد السياسي

يرى محللون أن هآرتس لم تكن تُحلل بقدر ما كانت تُمارس “التقريع السياسي” بهدف إذلال العرب في الإعلام. لكن خلف هذا التقريع، هناك حقيقة أن معظم الدول العربية باتت مرتبطة بالولايات المتحدة عسكرياً وأمنياً، ما جعلها في موقف ضعيف أمام أي ضغط خارجي.

2. البُعد الإعلامي

صحيفة هآرتس معروفة بكونها صحيفة يسارية نقدية، وغالباً ما تستخدم لغة قاسية حتى ضد الحكومات الإسرائيلية. لذلك، فإن وصفها للزعماء العرب بـ”صفر قيمة” قد يُفهم أيضاً كجزء من خطاب دعائي داخلي موجه للرأي العام الإسرائيلي، لإظهار تفوق إسرائيل في المنطقة.

3. البُعد الشعبي

من منظور الشارع العربي، المقال قد يلقى صدى واسعاً لأنه يلامس شعوراً متراكماً بالإحباط من القيادات العربية. كثير من الشباب العرب يعبرون أصلاً على وسائل التواصل الاجتماعي عن فقدان الثقة بالأنظمة السياسية. وبالتالي، قد يضاعف هذا المقال من حالة السخرية والانتقاد الشعبي.

الأبعاد السياسية للمقال

1. في توقيت حساس: المقال تزامن مع انعقاد قمة عربية إسلامية في الدوحة، ما يُظهر محاولة إسرائيلية لتقويض الرسائل الوحدوية الصادرة عنها.

2. رسالة للغرب: أرادت هآرتس أن تقول للولايات المتحدة وأوروبا إن إسرائيل هي الشريك الأكثر جدية في المنطقة، على عكس العرب الذين لا يُعوّل عليهم.

3. توظيف داخلي: في الداخل الإسرائيلي، يخدم المقال أجندة سياسية، إذ يعزز خطاب اليمين بأن إسرائيل محاطة بـ”خصوم ضعفاء” لا يشكلون تهديداً جدياً.

ردود أفعال من المحللين الغربيين

في بعض التحليلات الغربية، كان هناك تباين:

رأى محللون أمريكيون أن المقال يعكس “مبالغة” إسرائيلية، فالعرب ما زالوا يمتلكون أوراقاً اقتصادية كبرى، مثل النفط والغاز وأسواق الاستثمار.

بينما قال آخرون إن الضعف العربي في السياسة الخارجية حقيقي، فباستثناء السعودية في مجال الطاقة، لا تملك أي دولة عربية نفوذاً عالمياً مؤثراً.

السوشيال ميديا

على مواقع التواصل الاجتماعي، انتشر وسم “صفر_قيمة” بشكل ساخر بين مستخدمين عرب. بعضهم استخدمه لنقد حكوماته، وآخرون هاجموا الصحيفة الإسرائيلية واعتبروها “تتطاول على أمة تمتلك تاريخاً وحضارة”.

انعكاسات مستقبلية

على العلاقات العربية الإسرائيلية: المقال قد يزيد من التوتر الشعبي في ظل مسار التطبيع الجاري، حيث يُنظر إليه كدليل على أن إسرائيل لا تحترم شركاءها العرب.

على القمم العربية: قد يضع المقال ضغوطاً إضافية على القادة العرب لإظهار مواقف أكثر قوة واستقلالية، ولو على مستوى الخطاب.

على الشارع العربي: قد يساهم المقال في تعميق الفجوة بين الأنظمة وشعوبها، عبر تعزيز الشعور بأن العالم ينظر إليهم كأتباع لا قادة.

سواء اعتبرنا مقال هآرتس رأياً صريحاً أو دعاية سياسية، فإنه يعكس صورة متجذرة في الوعي الإسرائيلي: أن العالم العربي بلا وزن حقيقي في السياسة الدولية.

لكن السؤال الأهم: هل العرب سيكتفون بالغضب من الوصف، أم أنهم سيتخذون خطوات عملية لاستعادة دورهم الإقليمي والدولي؟

في النهاية، “صفر قيمة” ليست مجرد عبارة، بل جرس إنذار يضع القادة العرب أمام اختبار تاريخي بين أن يظلوا هامشيين في النظام العالمي، أو أن يستعيدوا زمام المبادرة قبل أن يكتب التاريخ نهايتهم بأقلام غيرهم.