هوامش على قصف قطر
عبد الحليم قنديل يكتب
- dr-naga
- 14 سبتمبر، 2025
- رأي وتحليلات
- الدوحة, الكيان الإسرائيلي, ترامب, حماس, عبد الحليم قنديل, قصف قطر, نتنياهو, هوامش, وفد حماس
حجم المخفي أكبر بكثير مما هو معلن عن عملية قصف طائرات الاحتلال لمكاتب «حماس» في الدوحة، يكفي أن تعلم ـ مثلا ـ ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع تنفيذ الضربة «الإسرائيلية»، الاحتفال مع نائبه والوزراء الكبار إلى بمطعم في واشنطن، ولم يعكر صفو الاحتفال سوى عدد من الناشطين الأمريكيين المؤيدين للقضية الفلسطينية، اقتحموا المطعم ورفعوا أعلام فلسطين، وراحوا يهتفون ويصرخون «الحرية لفلسطين» و»ترامب هتلر عصرنا»، فيما راح ترامب ينظر ساخرا للناشطين، بينما قوات الأمن تلقي بهم إلى خارج مطعم الاحتفال، وقد لا تحتاج إلى كثير ولا قليل من التفكير، حتى تدرك أن انتعاش ترامب وقتها واحتفاله المبكر، كان وراءه ظن غالب عليه، أن العملية التي نسقها مع بنيامين نتنياهو وجيشه، سوف تحقق هدفها بالضبط، وستنتهي إلى اغتيال كل أعضاء وفد «حماس» المفاوض، وعلى رأسهم خليل الحية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» في غزة، وهو ما أوحت به تصريحات نتنياهو المتفاخرة الأولى عقب العملية، وقد حفلت بإشارات متعجرفة عن مدى الدقة البالغة لسلاح الجو «الإسرائيلي».
وقد شاءت عناية الله، أن تفشل العملية «الإسرائيلية» المتفق عليها مع واشنطن، وأن ينجو قادة «حماس»، كما قالت الحركة في بيان رسمي عاجل، وكان الفشل ظاهرا في تصريحات «إسرائيلية» تالية، كان أولها كلام سفير «إسرائيل» في واشنطن يحيئيل لايتر، الذي قال لقناة «فوكس نيوز» الأمريكية، إنه «إذا كنا لم نقض على قيادة حماس هذه المرة فسنصل إليهم في المرة المقبلة»، وهو ما يكشف خواء زعم ترامب بعد الفشل، وقوله إن هذه العملية لن تتكرر، وتطميناته الفارغة لقيادة قطر، التي تعد في التصور الأمريكي المعلن حليفا رئيسيا لواشنطن من خارج حلف شمال الأطلنطي «الناتو»، وعلى أراضيها قاعدة «العيديد» أكبر قواعد أمريكا الجوية خارج حدودها، ولم يطلق منها صاروخ اعتراضي واحد ردا على الغارات «الإسرائيلية»، كما حدث ـ مثلا ـ وقت الضربة الصاروخية الإيرانية الشهيرة، بينما ادعت إدارة ترامب بأثر رجعي، أنها لم تكن تعلم بنية ولا وقت تنفيذ الضربة «الإسرائيلية»، وأنها علمت فقط عند التنفيذ.
وطلب ترامب من مبعوثه ستيف ويتكوف، إبلاغ القطريين للتحذير، وهو ما نفاه رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، وقال بوضوح، إن الدوحة لم تتبلغ بالتنبيه الأمريكي إلا بعد عشر دقائق من حدوث انفجارات المباني السكنية المستهدفة، وبعد أن كان الخبر قد انتشر في الدنيا كلها، وأي مبتدئ في الجغرافيا، يعرف أن الدوحة تبعد عن أقرب قاعدة جوية «إسرائيلية» بما يزيد على 2200 كيلومتر، وأن قطر تفصلها عن كيان الاحتلال أربع دول عربية، طارت فوقها القاذفات «الإسرائيلية» وتزودت بالوقود جوا، وإذا سلمنا جدلا بأن «رادارات» جيوش هذه الدول لم تلتقط ولا رصدت، فماذا عن نحو ستين قاعدة ومنشأة عسكرية أمريكية في المنطقة الفاصلة، وفي داخل فلسطين المحتلة ذاتها؟
الكيان الإسرائيلي لا يرى سيادة لدول ولا حرمة لحدود عربية، وقناعته الراهنة، أن مبدأ السيادة محجوز في المنطقة له وحده، وأن السلام الموهوم مع الكيان لا يحمي أحدا من عقابه
وفوق هذه الألغاز وخفاياها الظاهرة المغزى، فإن العِلم الأمريكي المسبق بالضربة «الإسرائيلية»، لا يبدو موضعا لشك عند عاقل، فقبل الضربة بأيام، كان ترامب قد أعلن ما سماه صفقته لوقف الحرب في غزة، وادعى أنها ولدت في رأسه «البرتقالي»، بينما كان يلعب «الغولف» مع ويتكوف، وأضاف واثقا أن نتنياهو يوافق عليها، ولم يكن ذلك إلا خداعا بدائيا، فالصفقة في الأصل هي اقتراح من نتنياهو نفسه، نقله صفيه ووزيره للشؤون الاستراتيجية رون ديرمر إلى ويتكوف، ونصح بأن يعلنها ترامب بنفسه وباسمه، وأن يطلب من «حماس» الإفراج فورا عن كل الأسرى والرهائن «الإسرائيليين» أحياء وأمواتا، ودونما مقابل غير إطلاق سراح آلاف من الأسرى الفلسطينيين، والوقف المؤقت لعملية اجتياح واحتلال وتدمير مدينة غزة، والبدء في مفاوضات حول الشروط النهائية، وأولها نزع سلاح «حماس» ونفي قادتها، مع تعليق الانسحاب «الإسرائيلي» من غزة على شرط تشكيل حكومة فلسطينية جديدة تضمن الأمن الكامل لكيان الاحتلال، وكان بديهيا أن تتحفظ حركة «حماس»، وأن تطلب ضمانات أكبر من وعد شفهي يقطعه ترامب.
وكان الرئيس الأمريكي يعلم بذلك طبعا، ووجه علنا ما سماه «التحذير الأخير» لحركة «حماس»، وكان يعلم ـ طبعا ـ بعقد اجتماع لوفد «حماس» المفاوض في الدوحة لمناقشة الصفقة، ويبدو ظاهرا من خط سير الحوادث، أنه أراد تدمير قيادة «حماس» عقابا لها على موقفها المعاند، بعد أن زين له نتنياهو عملية اغتيال قادة حماس المفاوضين جميعا، فتم تنفيذ الضربة المتفق عليها، على أن يحتفظ ترامب بمسافة صورية تفصله عن التفاصيل، يهنئ بطله نتنياهو، إذا نجحت الضربة كما كان يتوقع، أو أن يفتعل قلقا وحزنا إذا فشلت، وهذا ما جرى بالضبط، فبعد أن قالت مصادر «إسرائيلية»، إنها حصلت على ضوء أخضر أمريكي لتنفيذ الضربة فور وقوعها، عاد نتنياهو مع تبين الفشل إلى نغمة أخرى، زعم فيها أن العملية كانت «إسرائيلية» مستقلة تماما. ولم ينكر ترامب أبدا، ولا أنكر المتحدثون باسمه، أنه يريد اغتيال قادة «حماس» جميعا، وأيا ما كانت محال إقاماتهم أو نشاطاتهم، وبدا ذلك ظاهرا منصوصا عليه في بيانات البيت الأبيض بعد وقوع الضربة، بينما تصور ترامب كعادته المبالغة في قدراته الشخصية، أن بوسعه احتواء آثار ما جرى عند قطر وغيرها من حلفاء الخليج، الذين قدموا له منحا واستثمارات بتريليونات الدولارات، وقدم هو ـ بالمقابل ـ وعودا فارغة بالحماية، تبين أنها محض سراب، خصوصا حين يتعلق الأمر بالكيان «الإسرائيلي»، الذي من حقه ـ حسب ترامب ـ أن يصول ويجول في المنطقة كلها، وأن يفرض سيادته على الجميع أعداء وأصدقاء، وكانت الطائرات «الإسرائيلية» تضرب في غزة ولبنان وسوريا وتونس واليمن في يوم العدوان على قطر، وهو بعض ما دفع الشيخ محمد بن عبد الرحمن، إلى وصف نتنياهو بأنه «لاعب مارق»، لا يريد ـ فقط ـ إعادة تشكيل ما يسميه «الشرق الأوسط الجديد»، بل يريد «إعادة تشكيل منطقة الخليج أيضا»، وقد تمت الضربة «الإسرائيلية» بعلم مسبق أكيد من واشنطن، ونقلت «واشنطن بوست» عن مسؤول أمريكي أن «إسرائيل أخطرت الجيش الأمريكي ببعض خطط العمل العسكري قبل الضربة»، وإن راوغ المسؤول بالقول إن «الإخطار كان غامضا ولم يذكر أهدافا أو مواقع»، فيما راح ترامب نفسه يغسل يديه، وقال على منصته «تروث سوشيال»، إن «الهجوم على قطر قرار اتخذه نتنياهو، وليس لي دخل به»، وإن عاد ترامب في التغريدة نفسها، وعلى طريقة «يكاد المريب يقول خذوني»، وأضاف نصا «أن الهجوم على الدوحة يمكن في اعتقادي أن يكون بمثابة فرصة للسلام».
وما جرى في قطر، يقبل التكرار طبعا على أراضي الدول العربية الأخرى، وحتى في عواصم الخليج الأوثق صلة بواشنطن، وقد لا تعني بيانات الاستنكار والإدانة والتضامن شيئا كثيرا، اللهم إلا إذا توافرت إرادة سياسية غير منظورة، تراجع أوضاع النظم كلها، وتستعيد الحقائق الأصلية الظاهرة لكل ذي عينين، فالكيان «الإسرائيلي» لا يرى سيادة لدول ولا حرمة لحدود عربية، وقناعته الراهنة، أن مبدأ السيادة محجوز في المنطقة للكيان وحده، وأن السلام الموهوم مع الكيان لا يحمي أحدا من عقابه، وأن يد «إسرائيل» هي ذاتها يد أمريكا، وأن «المتغطي بالأمريكيين عريان»، وهذه هي الحقيقة الكبرى الباقية قبل ضرب قطر وبعده، فاتفاقات السلام والتطبيع القائمة ليست سوى صكوك استسلام، والتعاهد «الإبراهيمي» لا يوفر أمانا لأحد، والكل سواء على حبل المقصلة الإسرائيلية الأمريكية .
وفي وهج انفجارات النار التي تجتاح المنطقة، لا يصح إلا ما كان ويبقى صحيحا في مطلق الأحوال، وأوله أن المقاومة وحدها هي الفرقة «الناجية» من نار الدنيا وعذاب الآخرة، وقد تضرب المقاومة هنا أو هناك، لكنها تبقى الأمل الوحيد في يقظة الأمة المهانة واسترداد كرامتها، وقد أفلت عدد من قادة المقاومة بالخارج من مصير الاغتيال في الضربة الأخيرة، لكن استشهاد القادة عموما، لا يعني أبدا نهاية المقاومة، وقد استشهد عشرات القادة الكبار، وكانت الدماء الزكية وقودا يلهب المقاومة، ويدفع بأجيالها الشابة إلى القتال بعزيمة لا تلين، وإلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا، ويدرك الغافلون أن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغيرها، وأن الجيوش التي تترك أسلحتها للصدأ، سوف تدهمها الحروب من حيث لا تحتسب .
# عبد الحليم قنديل
# كاتب مصري
المصدر: القدس العربي