وزير الخارجية الأمريكي يزور إسرائيل قبل تحرك فرنسا

تأتي بعد أيام قليلة من الضربة الإسرائيلية لقطر

تشهد الساحة الدولية هذه الأيام حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالقضية الفلسطينية وتوازنات القوى في الشرق الأوسط.

ففي الوقت الذي تستعد فيه فرنسا لطرح مبادرةروبيو يزور إسرائيل قبيل تحرك فرنسي لاعتراف فلسطيني داخل الأمم المتحدة تهدف إلى الدفع نحو الاعتراف بدولة فلسطينية، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن الوزير ماركو روبيو سيقوم بزيارة رسمية إلى إسرائيل.

تبدأ اليوم السبت وتشمل محطة ثانية في بريطانيا. الزيارة تأتي في لحظة حساسة للغاية، ليس فقط بسبب التوترات الميدانية المتصاعدة في غزة، وإنما أيضًا نتيجة للانعكاسات السياسية والدبلوماسية التي تفرضها التطورات الأخيرة في المنطقة.

السياق العام للزيارة

الزيارة تأتي بعد أيام قليلة من الضربة الإسرائيلية التي استهدفت قيادات من حركة “حماس” في العاصمة القطرية الدوحة، وهي العملية التي تسببت في حالة من الحرج الدبلوماسي للولايات المتحدة.

فعلى الرغم من أن واشنطن أكدت مرارًا دعمها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، فإن تنفيذ هجوم من هذا النوع داخل عاصمة حليف استراتيجي مثل قطر أوجد معضلة حقيقية أمام الإدارة الأمريكية.

فواشنطن تسعى للحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الدوحة التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة،

وفي الوقت نفسه لا تريد إظهار أي تباين مع إسرائيل، شريكها الاستراتيجي الأول في الشرق الأوسط.

من هذا المنطلق، يُنظر إلى زيارة روبيو على أنها محاولة لإعادة ضبط المشهد والتأكيد على أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يزال راسخًا، حتى وإن أبدت واشنطن تحفظاتها على بعض العمليات التكتيكية.

أهداف الزيارة الأمريكية

وفق التصريحات الرسمية، فإن الزيارة تهدف بالأساس إلى تعزيز التنسيق مع القيادة الإسرائيلية بشأن العمليات العسكرية في قطاع غزة، إلى جانب بحث ملف الرهائن الذي يُعتبر من أبرز الملفات الإنسانية والسياسية على الطاولة.

وسيعقد الوزير الأمريكي لقاءً مع عائلات عدد من الرهائن، في خطوة رمزية ذات أبعاد سياسية مهمة، إذ تعكس التزام الإدارة الأمريكية بالضغط لإيجاد حلول عملية لهذا الملف.

كما سيبحث روبيو مع المسؤولين الإسرائيليين مستقبل العمليات في غزة والأهداف بعيدة المدى للحملة العسكرية الجارية، فضلًا عن التداعيات الإقليمية التي قد تنتج عنها.

ومن المتوقع أن يشدد الجانب الأمريكي على ضرورة مراعاة التوازن بين تحقيق الأهداف الأمنية ومنع انفجار المشهد الإقليمي بشكل أوسع.

التحرك الفرنسي في الأمم المتحدة

على الجانب الآخر، تسعى فرنسا إلى استثمار اللحظة الراهنة لإحياء مسار سياسي طال انتظاره، وذلك عبر مبادرة جديدة في الأمم المتحدة تهدف إلى الاعتراف بدولة فلسطينية.

باريس ترى أن استمرار الجمود السياسي ودوامة العنف لا يخدم الاستقرار، وأن إحياء الأمل في حل الدولتين بات ضرورة ملحة.

وتشير تسريبات دبلوماسية إلى أن فرنسا تحاول حشد تأييد أوروبي واسع للمبادرة، بالتنسيق مع بعض الدول العربية والإفريقية، على أن يتم طرحها خلال جلسات قادمة في الجمعية العامة ومجلس الأمن. المبادرة تواجه رفضًا إسرائيليًا صريحًا، وتتحفظ عليها الولايات المتحدة، التي وإن كانت تؤكد من حيث المبدأ على حل الدولتين.

فإنها ترى أن فرضه عبر قرارات دولية دون تفاوض مباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين قد يكون خطوة غير بنّاءة.

التوازن الصعب بين واشنطن وباريس وتل أبيب

زيارة روبيو لإسرائيل تأتي قبل أيام من المناقشات المرتقبة في نيويورك حول المبادرة الفرنسية، ما يجعلها محمّلة برسائل سياسية مزدوجة. فمن جهة، تسعى واشنطن إلى طمأنة تل أبيب بأنها لن تسمح بمرور أي قرار دولي يهدد مصالحها الأمنية والسياسية.

ومن جهة أخرى، فهي تحاول أن تُظهر للدول الأوروبية والعربية أنها لا تغلق الباب أمام أي مسار سياسي، لكنها في الوقت ذاته تتمسك بضرورة أن يكون التفاوض المباشر هو الطريق الوحيد لحل النزاع.

هذا التوازن ليس سهلًا، خصوصًا أن العلاقات الأمريكية-الأوروبية تشهد في الفترة الأخيرة بعض التباينات حيال قضايا الشرق الأوسط، من بينها الحرب في غزة، والتعامل مع إيران، ودور تركيا في الإقليم.

الدلالات الإقليمية

لا يمكن قراءة زيارة وزير الخارجية الأمريكي لإسرائيل بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع. فإلى جانب قطر، التي وجدت نفسها في قلب العاصفة بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة، هناك أطراف أخرى تراقب التطورات عن كثب، مثل مصر والأردن والسعودية.

هذه الدول، التي تملك علاقات متشابكة مع كل من واشنطن وتل أبيب، تنظر بقلق إلى أي تصعيد قد يهدد استقرار المنطقة بأسرها.

كما أن إيران وحلفاءها في المنطقة يراقبون بدورهم التحركات الأمريكية-الإسرائيلية، معتبرين أن أي دعم إضافي لإسرائيل قد يُترجم إلى تصعيد جديد في ساحات أخرى مثل لبنان أو سوريا أو حتى البحر الأحمر.

بين الاعتبارات الداخلية والخارجية

لا يمكن إغفال البعد الداخلي الأمريكي في هذه الزيارة. فالإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس والحزب الجمهوري، تحاول إثبات أنها قادرة على إدارة ملفات السياسة الخارجية بحزم ومرونة في آن واحد، خصوصًا مع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية.

زيارة روبيو، الذي يواجه تحديات في إقناع بعض القوى داخل الحزب بجدوى الانخراط العميق في ملفات الشرق الأوسط، تعكس أيضًا محاولة لتعزيز صورته كصاحب قرار قادر على الدفاع عن المصالح الأمريكية في الخارج.

ماذا بعد؟

السؤال المطروح الآن هو: هل ستنجح هذه الزيارة في تغيير مسار الأحداث، أم أنها ستبقى مجرد خطوة رمزية ضمن لعبة دبلوماسية أكبر؟ الإجابة تتوقف على ما ستسفر عنه النقاشات في الأمم المتحدة بشأن المبادرة الفرنسية.

فإذا تمكنت باريس من كسب تأييد دولي واسع، فقد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى بذل جهود مضاعفة لاحتواء الموقف.

أما إذا فشلت المبادرة أو تم إجهاضها عبر الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن، فإن إسرائيل ستعتبر ذلك انتصارًا دبلوماسيًا جديدًا، لكنه قد يضاعف من عزلة الولايات المتحدة في بعض الأوساط الدولية.

في المحصلة، تعكس زيارة وزير الخارجية الأمريكي لإسرائيل قبيل التحرك الفرنسي في الأمم المتحدة مشهدًا معقدًا متعدد الأبعاد. فهي ليست مجرد زيارة بروتوكولية، بل خطوة محسوبة بدقة في إطار سباق دبلوماسي محموم يحدد مستقبل القضية الفلسطينية وتوازنات القوى في المنطقة.

وبينما تسعى واشنطن لتثبيت موقعها كحليف أول لإسرائيل، تحاول باريس أن تفرض أجندتها على الساحة الدولية عبر بوابة الأمم المتحدة.

وبين هذا وذاك، يبقى الشعب الفلسطيني هو الحلقة الأضعف في معادلة تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والمصالح أكثر مما تتصارع على العدالة والسلام.