قصف الدعم السريع بدارفور يقتل مدنيين ويعمّق المأساة

معاناة المدنيين في قلب النار

دخلت الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من عامين مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما أسفر قصف مكثف شنته قوات الدعم السريع شبه العسكرية على مدينة الفاشر المحاصرة في إقليم دارفور عن مقتل 13 مدنيًا، بينهم أربعة أطفال، خلال يومي الخميس والجمعة.

أعنف هجوم منذ بدء الحصار

وفقًا لمصدر طبي في مستشفى الفاشر، استمر القصف يومين متتاليين، مستهدفًا مناطق سكنية وأسواقًا مركزية في حي النصر والسوق الشعبي، ما أدى إلى سقوط قذائف مباشرة على منازل المدنيين.

ووصف ناشطون محليون الهجوم بأنه الأعنف منذ بدء حصار المدينة، حيث تحاول قوات الدعم السريع إحكام قبضتها على الفاشر، آخر مدينة رئيسية في دارفور لا تزال تحت سيطرة الجيش النظامي.

معاناة المدنيين في قلب النار

أفادت لجنة المقاومة المحلية في بيان أن مقاتلي الدعم السريع اقتحموا الأحياء الغربية للمدينة ونقلوا عددًا من السكان إلى وجهات مجهولة، في مشهد وصفته المجموعة بأنه “رعب حقيقي”.

وتقول منظمات حقوقية إن المدنيين باتوا عالقين بين القصف المتبادل والقيود المشددة التي تفرضها القوات شبه العسكرية، فيما انقطعت الإمدادات الإنسانية عن المدينة منذ أسابيع.

صور الأقمار الصناعية التي أصدرها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل كشفت حجم الدمار في مخيم أبو شوك للنازحين، حيث تم توثيق أكثر من 50 أثرًا للقصف بين 30 أغسطس و10 سبتمبر، بينها 22 ضربة استهدفت السوق الرئيسي للمخيم.

ووفقًا لتقارير بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، فقد قُتل أكثر من 300 مدني في المخيم منذ بداية الحصار.

طريق الهروب محفوف بالمخاطر

مع تشديد الحصار، لم يعد أمام سكان الفاشر سوى طريق واحد يمتد 70 كيلومترًا نحو بلدة طويلة، التي تسيطر عليها مجموعات متمردة محلية. إلا أن الرحلة محفوفة بالمخاطر، حيث يسلكها الناجون سيرًا على الأقدام وسط ظروف إنسانية مأساوية.

وقالت منظمة أطباء بلا حدود إن مستشفاها في طويلة استقبل أكثر من 650 جريحًا منذ منتصف أغسطس. وأوضح منسق المشروع، سيلفان بينيكود، أن كثيرين “وصلوا وهم ينزفون من جروح ناجمة عن طلقات نارية أو من آثار الجلد الشديد”.

خلفيات الصراع وتصعيد دارفور

بدأ النزاع في أبريل 2023 إثر تفجر الخلاف بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لكنه سرعان ما تحول إلى حرب شاملة أودت بحياة عشرات الآلاف وشرّدت أكثر من 14 مليون شخص.

وتاريخيًا، شكّلت دارفور مسرحًا لصراعات دامية منذ العقد الأول من الألفية، حيث ارتُكبت جرائم إبادة وتهجير قسري، لتعود المنطقة اليوم مجددًا إلى صدارة مشهد المأساة الإنسانية.

الفاشر تحديدًا تحمل أهمية استراتيجية؛ فهي مركز رئيسي للسلطة والإمداد في الإقليم، والسيطرة عليها ستمنح الدعم السريع تفوقًا حاسمًا في دارفور. ولهذا يصف مراقبون معركة الفاشر بأنها “معركة كسر عظم” بين الجيش والقوات شبه العسكرية.

ردود فعل دولية خجولة

على الرغم من حجم المأساة، لا تزال الاستجابة الدولية محدودة. فقد أعلن مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة تمديد حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ عام 2005 لمدة عام إضافي، لكن تقارير عديدة أشارت إلى انتهاكات متكررة لهذا الحظر.

وفي حين تُتهم قوات الدعم السريع بارتكاب “جرائم لا تُحصى ضد الإنسانية”، تؤكد تقارير أخرى أن الجيش السوداني بدوره قصف مناطق مدنية، ما يعقد المشهد القانوني والسياسي للأزمة.

مستقبل غامض

بينما تتواصل الانتهاكات، يعيش المدنيون في دارفور كارثة إنسانية متجددة. ومع غياب حلول سياسية عاجلة وفعالة، يخشى مراقبون أن يتحول حصار الفاشر وما يرافقه من جرائم إلى فصل جديد طويل من العنف، يعيد إلى الأذهان أكثر الصفحات دموية في تاريخ الإقليم.