إسرائيل تتهم إسبانيا بالتحريض ومدريد ترد بغضب
الأزمة تكشف عن تحول جوهري في السياسة الأوروبية
- السيد التيجاني
- 12 سبتمبر، 2025
- تقارير
- إسبانيا, إسرائيل تتهم إسبانيا بالتحريض ومدريد ترد بغضب, غزة, نتنياهو
تشهد العلاقات بين إسبانيا وإسرائيل منذ أشهر حالة غير مسبوقة من التوتر، لكن الأزمة الأخيرة بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سلطت الضوء على الهوة العميقة التي تفصل بين البلدين بشأن الحرب الدائرة في غزة
اتهام نتنياهو لسانشيز بـ”تهديد إسرائيل بالإبادة الجماعية” أثار غضب مدريد وفتح فصلًا جديدًا من الخلاف السياسي والدبلوماسي، في وقت لا تزال فيه المنطقة تغلي بالصراع المسلح والاتهامات المتبادلة.
جذور الأزمة: غزة نقطة الانطلاق
بدأت الأزمة في أكتوبر 2023 مع الهجوم الذي شنته حركة “حماس” على إسرائيل، والذي أسفر – وفق الرواية الإسرائيلية – عن مقتل نحو 1200 شخص وخطف أكثر من 250 رهينة.
وردت إسرائيل بعملية عسكرية واسعة في قطاع غزة، اعتبرتها “حربًا على الإرهاب”، بينما وصفتها أطراف دولية ومنظمات حقوقية بأنها حملة إبادة جماعية بحق المدنيين الفلسطينيين.
إسبانيا، بقيادة رئيس وزرائها الاشتراكي بيدرو سانشيز، تبنت منذ البداية خطابًا شديد الانتقاد لإسرائيل. ففي الوقت الذي اكتفت فيه دول أوروبية أخرى بالدعوة إلى التهدئة، خرج سانشيز ليصف العمليات العسكرية الإسرائيلية بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي” و”جريمة إبادة جماعية”.
هذا الموقف جعل مدريد في صدارة الدول الأوروبية المعارضة للنهج الإسرائيلي.
خطاب سانشيز وإجراءات مدريد
الأزمة بلغت ذروتها في الأسبوع الأخير بعدما أعلن سانشيز عن سلسلة من الإجراءات تهدف إلى الضغط على إسرائيل. هذه الإجراءات شملت:
1. حظر بيع الأسلحة إلى إسرائيل.
2. منع السفن التي تحمل وقودًا موجهًا للجيش الإسرائيلي من الرسو في الموانئ الإسبانية.
3. فرض قيود على استيراد البضائع القادمة من المستوطنات غير الشرعية في الضفة الغربية.
وفي خطاب مثير للجدل قال سانشيز: “إسبانيا، كما تعلمون، لا تملك قنابل نووية ولا حاملات طائرات أو احتياطيات نفطية ضخمة. لا يمكننا وحدنا وقف الهجوم الإسرائيلي، لكن هذا لا يعني أننا سنتوقف عن المحاولة”.
هذا التصريح اعتبره مكتب نتنياهو بمثابة تهديد مبطن لإسرائيل، ليصدر بيانًا رسميًا يتهم فيه رئيس الوزراء الإسباني بـ”التلويح بإبادة الدولة اليهودية الوحيدة في العالم”.
رد إسرائيل: اتهامات خطيرة
مكتب نتنياهو أصدر الخميس بيانًا لاذعًا قال فيه إن تصريحات سانشيز بشأن عدم امتلاك إسبانيا أسلحة نووية هي “إشارة واضحة إلى إمكانية استخدامها ضد إسرائيل لو كانت متوفرة”. وأضاف البيان: “هذا تهديد صارخ بالإبادة الجماعية، وهو أمر لا يمكن القبول به”.
هذا الاتهام لم يكن مجرد خلاف لفظي، بل حمل أبعادًا سياسية خطيرة، إذ اتهم نتنياهو أحد أبرز قادة أوروبا بتبني خطاب معادٍ للسامية تحت ستار الدفاع عن الفلسطينيين.
مدريد ترد بغضب
إسبانيا لم تتأخر في الرد. فقد أصدرت وزارة الخارجية بيانًا أكدت فيه أن تصريحات نتنياهو “كاذبة وتشهيرية”، مشددة على أن إسبانيا “صديقة للشعب الإسرائيلي وصديقة للشعب الفلسطيني في آن واحد”.
كما وصفت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس اتهامات نتنياهو بأنها “سخيفة”، مضيفة في مقابلة تلفزيونية: “لا أعتقد أن نتنياهو هو الشخص الذي يحق له إلقاء محاضرات على أي أحد بينما يرتكب الفظائع التي يرتكبها في غزة”.
التدهور المستمر في العلاقات الثنائية
الخلاف الحالي ليس معزولًا عن سياق أوسع من التوترات المستمرة منذ عام 2023. ففي مايو/أيار 2024، اتخذت مدريد خطوة جريئة باعترافها رسميًا بـ دولة فلسطين، لتكون من أوائل الدول الأوروبية الكبرى التي تقدم على هذه الخطوة.
هذا القرار تسبب في أزمة دبلوماسية مباشرة مع تل أبيب، التي استدعت سفيرها من مدريد ولم تعينه من جديد منذ ذلك الحين. كما استدعت إسبانيا بدورها سفيرها من تل أبيب، لتبقى العلاقات في حالة “تمثيل منخفض المستوى” حتى اليوم.
المواقف الأوروبية من الصراع
إسبانيا تبدو اليوم على رأس “المعسكر الأوروبي المنتقد لإسرائيل”، وهو معسكر يضم أيضًا دولًا مثل أيرلندا وبلجيكا والنرويج (خارج الاتحاد الأوروبي). على النقيض، هناك دول مثل ألمانيا والتشيك والمجر التي تدعم الموقف الإسرائيلي أو تتجنب انتقاده علنًا.
هذا الانقسام الأوروبي يجعل موقف الاتحاد الأوروبي من الصراع في غزة ضعيفًا ومجزأً، حيث يصعب التوصل إلى موقف موحد أو استراتيجية واضحة للتعامل مع إسرائيل أو دعم الفلسطينيين.
انعكاسات الأزمة على الداخل الإسباني
الموقف الإسباني من الحرب في غزة يعكس أيضًا حسابات داخلية. فحزب العمال الاشتراكي، بقيادة سانشيز، يعتمد على دعم قوى يسارية أكثر راديكالية مثل حزب “سومار” وحزب “بوديموس”، والتي لطالما رفعت شعار الدفاع عن فلسطين.
إضافة إلى ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن الرأي العام الإسباني متعاطف بشكل واسع مع الفلسطينيين، ما يجعل موقف سانشيز منسجمًا مع المزاج الشعبي الداخلي، حتى لو أثار توترًا دبلوماسيًا خارجيًا.
هل تقود الأزمة إلى قطيعة دبلوماسية؟
يطرح المراقبون تساؤلات حول ما إذا كانت الأزمة الحالية ستؤدي إلى قطيعة كاملة بين البلدين. فبينما تحرص إسبانيا على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إسرائيل، إلا أن تصعيد نتنياهو باتهام سانشيز بـ”التحريض على إبادة جماعية” قد يترك جرحًا دبلوماسيًا يصعب تجاوزه قريبًا.
من جانب آخر، تدرك إسرائيل أن إسبانيا ليست مجرد دولة أوروبية، بل هي عضو في الاتحاد الأوروبي والناتو، وأي قطيعة معها قد تؤدي إلى تداعيات أوسع داخل القارة الأوروبية.
الأبعاد الدولية للأزمة
الأزمة لا تنعكس فقط على العلاقات الثنائية، بل تمثل جزءًا من صورة أوسع للتعاطي الدولي مع الحرب في غزة. فالخلاف بين مدريد وتل أبيب يعكس الشرخ المتزايد بين الرؤى الغربية، حيث تصطف بعض الدول خلف إسرائيل فيما تتجه أخرى لانتقادها علنًا وربما فرض عقوبات عليها.
كما أن الموقف الإسباني قد يشجع دولًا أوروبية أخرى على اتخاذ خطوات أكثر جرأة ضد إسرائيل، خاصة مع تصاعد الضغوط الشعبية في أوروبا المطالبة بوقف الحرب ومحاسبة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية.
الأزمة بين إسرائيل وإسبانيا تكشف عن تحول جوهري في السياسة الأوروبية تجاه الحرب في غزة. فبينما نجحت إسرائيل تاريخيًا في الحفاظ على علاقات متينة مع معظم العواصم الأوروبية، فإن مواقف مدريد الأخيرة أظهرت أن الانتقادات قد تتجاوز البيانات الدبلوماسية لتتحول إلى إجراءات عملية مثل حظر الأسلحة والتجارة.
ورغم أن القطيعة الكاملة بين البلدين قد لا تكون وشيكة، فإن الاتهامات المتبادلة بين نتنياهو وسانشيز تعكس عمق الشرخ القائم، وربما تمهد لمرحلة جديدة من المواجهة السياسية داخل أوروبا بشأن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.