الصين تكشف أوراق الردع في العرض العسكري الأكبر لعام 2025

لم يكن العرض مجرد احتفال رمزي بذاكرة تاريخية

في الثالث من سبتمبر 2025، خرجت بكين بعرض عسكري وصف بالأكبر في تاريخ البلاد، حيث احتشدت آلاف القطع من الأسلحة الاستراتيجية والتكنولوجية الحديثة في قلب العاصمة الصينية، في ذكرى مرور ثمانين عاماً على انتهاء الحرب العالمية الثانية.

الصين ترسم صورة القوة الجديدة

لم يكن العرض مجرد احتفال رمزي بذاكرة تاريخية، بل تحوّل إلى رسالة سياسية وعسكرية موجهة للعالم بأسره، مفادها أن الصين لم تعد القوة الاقتصادية العظمى فقط، بل باتت تطمح إلى تثبيت مكانتها كقوة عسكرية عالمية تمتلك ترسانة ردع متكاملة.

ومن خلال هذا الاستعراض، بدا أن بكين تريد أن تقول للغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة، إن معادلة التوازن الاستراتيجي لم تعد كما كانت في السابق. (وفق The Guardian)

أولاً: الصاروخ العابر للقارات DF-61 – الغموض الذي يثير المخاوف

أحد أبرز المفاجآت في العرض كان الكشف عن الصاروخ الباليستي العابر للقارات DF-61، وهو سلاح جديد كلياً لم يُعرف عنه سوى القليل. الصاروخ محمول على منصة برية متحركة بعجلات ضخمة.

ويُقدّر مداه بأكثر من 12 ألف كيلومتر، أي ما يكفي لضرب المدن الأمريكية الكبرى من الأراضي الصينية. هذا الظهور الأول للصاروخ أثار موجة من التكهنات، حيث يرى بعض الخبراء أنه نسخة مطورة من الصاروخ DF-41 الشهير،

بينما يعتبره آخرون برنامجاً مستقلاً يعكس تسارع وتيرة تحديث الترسانة النووية الصينية. الغموض الذي يحيط بمواصفاته الدقيقة هو ما يمنحه هالة من الرعب، ويجعل منه ورقة ضغط استراتيجية بيد بكين. (بحسب Federation of American Scientists – FAS)

ثانياً: الصاروخ النووي الثقيل DF-5C – كابوس بمدى عالمي

في موازاة DF-61، عرضت الصين الصاروخ DF-5C، وهو تطوير للصواريخ الثقيلة القديمة العاملة بالوقود السائل. ما يميز هذا الصاروخ أنه قادر على حمل رؤوس متعددة، تصل إلى عشر وحدات نووية مستقلة (MIRV)، وبمدى يتجاوز 12 ألف كيلومتر، ما يجعله قادراً على تغطية أي هدف في العالم تقريباً.

التقارير أشارت إلى أن قوة الرأس النووي الواحد قد تصل إلى 4 ميغاطن، أي ما يعادل 200 ضعف قوة القنابل التي دمرت هيروشيما وناغازاكي في 1945. هذه القوة المدمرة تجعل DF-5C رمزاً للرعب النووي، وتؤكد أن الصين لا تكتفي بالترسانة الحديثة فقط، بل تحافظ على تحديث ترسانتها القديمة لتضمن تعددية الخيارات الاستراتيجية. (وفق وكالة AP)

ثالثاً: اكتمال ثلاثية الردع النووي – البر والبحر والجو

أرادت الصين من خلال العرض أن تعلن للعالم أنها باتت تمتلك ما يُعرف بـ”الثلاثية النووية”، أي القدرة على توجيه ضربات نووية من البر عبر الصواريخ الباليستية (DF-61 وDF-5C)، ومن البحر عبر الغواصات المزودة بصواريخ JL-3،

ومن الجو عبر القاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل صواريخ JL-1. اكتمال هذه الثلاثية يعني أن بكين قد ضمنت لنفسها قدرة ردع شاملة، تجعلها قادرة على الرد على أي ضربة نووية من أي جهة وفي أي ظرف. هذا التطور الاستراتيجي يضع الصين في مصاف القوى النووية الكبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا، ويُغيّر قواعد اللعبة في التوازنات العالمية. (بحسب CSIS)

رابعاً: الرسالة وراء استعراض القوة النووية

تكمن أهمية استعراض هذه الترسانة في السياق السياسي. فبينما تواصل الولايات المتحدة تعزيز تحالفاتها في المحيطين الهندي والهادئ، وتزيد من تسليح تايوان، ترى الصين أن أفضل رد هو عرض قوتها النووية علناً، لردع أي تدخل خارجي محتمل في أزماتها الإقليمية.

الرسالة واضحة: أي محاولة لفرض حصار أو الدخول في مواجهة عسكرية مع الصين ستواجه بترسانة ردع لا تقل عن ترسانات واشنطن أو موسكو. هذا البعد الاستراتيجي هو ما جعل المحللين يصفون العرض بأنه ليس مجرد احتفال، بل إعلان دخول الصين “مرحلة جديدة من الثقة النووية”. (وفق Washington Post)

خامساً: أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة – HQ-19 وHQ-12 وHQ-29

لم تقتصر العروض على الصواريخ الهجومية، بل شملت أيضاً مجموعة من أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، أبرزها:

HQ-19: يُعتبر نظيراً صينياً لمنظومة THAAD الأمريكية، بقدرة على اعتراض الصواريخ الباليستية متوسطة المدى وحتى الأقمار الصناعية الصغيرة.

HQ-12: منظومة متوسطة المدى تُستخدم لمواجهة الطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة والصواريخ قصيرة المدى.

HQ-29: منظومة اعتراضية للمرحلة الوسطى من تحليق الصواريخ، يُقارنها الخبراء بالمنظومة الأمريكية SM-3.

هذه المنظومات مجتمعة تُظهر أن الصين لم تعد تركز على الهجوم فقط، بل تبني أيضاً شبكة دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على حماية سمائها من مختلف التهديدات، وهو ما يُعزز موقعها كقوة متكاملة. (بحسب Interesting Engineering)

سادساً: نظام PCH-191 – إطلاق صواريخ متعدد المهام

من الأنظمة التي لفتت الأنظار أيضاً نظام PCH-191، وهو من راجمات الصواريخ الحديثة التي يمكنها إطلاق صواريخ باليستية قصيرة ومتوسطة المدى بمدى يصل إلى 500 كيلومتر. يُوصف النظام بأنه أحد أقوى أنظمة المدفعية الصاروخية في العالم.

حيث يجمع بين دقة الإصابة وقوة التدمير، مع إمكانية استخدام أنواع متعددة من الذخائر. ظهوره في العرض العسكري يعكس حرص الصين على تعزيز قوتها النيرانية البرية، في مواجهة محتملة مع جيوش تعتمد على القواعد القريبة مثل القوات الأمريكية في اليابان وكوريا الجنوبية. (وفق تقارير Defense News)

سابعاً: الطائرات المسيرة – نجوم العرض بلا منازع

رغم أن الصواريخ النووية خطفت الأضواء، إلا أن الطائرات المسيرة كانت بحق “نجمة العرض”. فقد استعرضت الصين مجموعة واسعة من الطائرات بدون طيار، تغطي مهام الاستطلاع التكتيكي والضربات الاستراتيجية، وصولاً إلى الدرونات البحرية تحت الماء.

GJ-11: طائرة مسيرة شبحية هجومية، قادرة على التسلل خلف الدفاعات الجوية وضرب أهداف حساسة.

CH-7: مسيرة قتالية شبحية بعيدة المدى، تُقارنها التحليلات بالطائرة الأمريكية X-47B.

HSU-100: مسيرة بحرية كبيرة الحجم، قد تُستخدم في مهام نزع الألغام أو الاستطلاع تحت الماء.

AJX-002: يُعتقد أنها غواصة مسيرة ضخمة ذات إمكانات استخباراتية وربما نووية.

هذا التنوع يعكس مدى استثمار الصين في الذكاء الاصطناعي والروبوتات العسكرية، ويؤكد أن الحرب المستقبلية في نظر بكين ستكون ساحة تختلط فيها الطائرات المسيرة والأنظمة الذاتية جنباً إلى جنب مع الأسلحة التقليدية. (بحسب Washington Post)

ثامناً: الروبوتات البرية – الذئاب الحديدية

من المشاهد المثيرة التي جذبت انتباه الإعلام الغربي ظهور ما أُطلق عليه “الذئاب الروبوتية”، وهي آليات برية ذاتية الحركة، يُمكن أن تُستخدم في الاستطلاع أو في نقل الإمدادات أو حتى في المهام القتالية.

هذه الروبوتات لم تُعرض من قبل في أي عرض عسكري، ما جعلها تجسيداً لرؤية الصين المستقبلية للمعارك. الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتحكم الذاتي في هذه الأنظمة يوضح أن الصين لا تكتفي بمجرد تقليد النماذج الغربية، بل تطمح إلى ابتكار شكل جديد من الحرب الذكية وفق الغارديان.

تاسعاً: الدلالات الاستراتيجية للعرض

لم يكن هذا العرض مجرد استعراض عضلات، بل كان يحمل دلالات عميقة:

على الصعيد الداخلي: تعزيز الروح الوطنية وإظهار أن القيادة الصينية قادرة على حماية البلاد وسط التوترات العالمية.

على الصعيد الخارجي: توجيه رسالة واضحة إلى واشنطن وحلفائها بأن أي محاولة لتطويق الصين عسكرياً ستقابل بترسانة ردع متطورة.

في سياق التوازنات الدولية: إظهار أن بكين لم تعد لاعباً إقليمياً فحسب، بل قوة نووية كبرى ذات قدرة على تغيير معادلات الأمن العالمي.هذه الرسائل، وإن بدت مباشرة، إلا أنها محمّلة أيضاً بتحذير ضمني: أن مستقبل التنافس بين الصين والولايات المتحدة لن يكون اقتصادياً فقط، بل سيشمل المجال العسكري النووي والتكنولوجي. (بحسب CSIS)

عاشراً: ما وراء الأضواء – حدود القوة والتحديات

رغم العروض المبهرة، يشير بعض المحللين إلى أن جزءاً من هذه الأسلحة قد لا يكون جاهزاً فعلياً للاستخدام، وأن بعضها ما زال في مراحل التطوير أو الاختبار.

غير أن مجرد عرضها يكفي لتحقيق الردع النفسي والسياسي، وهو ما يعوّل عليه القادة الصينيون. كما أن سباق التسلح هذا يثير مخاوف من إعادة إشعال سباق نووي عالمي، في وقت تعاني فيه معاهدات الحد من التسلح من التآكل. (وفق AP)

الصين والقوة العالمية الجديدة

من خلال العرض العسكري في سبتمبر 2025، أوصلت بكين رسالتها للعالم بوضوح: إنها لم تعد تكتفي بدور “المصنع الاقتصادي للعالم”، بل باتت قوة عسكرية تكنولوجية ذات حضور عالمي. صواريخ DF-61 وDF-5C، وأنظمة الدفاع HQ-19، والراجمات PCH-191، والطائرات المسيرة والروبوتات،

كلها قطع في لوحة واحدة ترسم صورة القوة الصينية الجديدة. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل يسهم هذا الاستعراض في ترسيخ الاستقرار عبر الردع، أم يدفع العالم نحو مزيد من سباقات التسلح والانقسام الاستراتيجي؟

الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل النظام الدولي خلال العقود القادمة، حيث تتنافس واشنطن وبكين ليس فقط على الأسواق والتكنولوجيا، بل أيضاً على من يمتلك اليد العليا في موازين الردع والهيمنة العالمية. (بحسب Washington Post)