بنغلاديش بين صراع المحاور وصوت الشباب

في ظل مرحلة انتقالية معقدة

في داكا، لا تبدو الانتخابات المقبلة مجرد استحقاق دستوري عادي، بل لحظة فاصلة في تاريخ دولة وجدت نفسها فجأة في قلب تنافس استراتيجي بين قوى كبرى. منذ الانتفاضة الطلابية في عام 2024 التي أطاحت بحكومة الشيخة حسينة، دخلت بنغلاديش مرحلة انتقالية معقدة، يتداخل فيها مطلب الإصلاح الداخلي مع حسابات الجغرافيا السياسية في خليج البنغال.

الموقع الجغرافي لبنغلاديش يمنحها وزناً يتجاوز حجمها الاقتصادي. فهي تطل على ممرات بحرية حيوية، وتقع بين الهند وميانمار، وعلى مقربة من طرق الطاقة والتجارة في المحيط الهندي. لذلك تنظر إليها واشنطن وبكين ونيودلهي باعتبارها نقطة ارتكاز في معادلة جنوب آسيا.

واشنطن: تنويع الشراكات لا كسرها

الولايات المتحدة كثفت في الأشهر الأخيرة تواصلها مع داكا. دبلوماسيون أمريكيون تحدثوا صراحة عن ضرورة تقديم “خيارات دفاعية وتجارية” لبنغلاديش،

في إشارة واضحة إلى الرغبة في تقليل اعتمادها على المعدات والاستثمارات الصينية. السفير الأمريكي في داكا، برنت تي. كريستنسن، شدد على أن بلاده لا تسعى لفرض اصطفاف، بل لتوسيع البدائل أمام الحكومة المنتخبة.

ويرى الباحث في شؤون جنوب آسيا مايكل كوجلمان أن “الولايات المتحدة لا تريد خسارة بنغلاديش لصالح الصين كما حدث في ساحات أخرى، لكنها تدرك أن الضغط المفرط قد يأتي بنتائج عكسية”. ويضيف أن واشنطن تراهن على الاقتصاد أكثر من الأمن، خاصة في قطاع المنسوجات الذي يعتمد على السوق الأمريكية.

اقتصادياً، تمثل الولايات المتحدة أحد أكبر أسواق الصادرات البنغلاديشية، خصوصاً في الملابس الجاهزة. أي تعديل في الرسوم أو شروط الاستيراد يمكن أن ينعكس مباشرة على المزاج الشعبي قبيل الانتخابات. لهذا تبدو السياسة التجارية أداة تأثير غير مباشرة في المناخ الداخلي.

بكين: شراكة بلا شروط سياسية

في المقابل، تواصل الصين ترسيخ حضورها عبر مشاريع البنية التحتية والطاقة، ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. وزارة الخارجية الصينية أكدت أن علاقاتها مع بنغلاديش “قائمة على المنفعة المتبادلة ولا تستهدف طرفاً ثالثاً”. الرسالة واضحة: بكين ترى نفسها شريكاً تنموياً لا يتدخل في السياسة الداخلية.

الخبير الصيني في العلاقات الدولية تشانغ جونهوا يرى أن “بنغلاديش تحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل، والصين توفر تمويلاً سريعاً ومرناً دون شروط سياسية معقدة”. هذا الطرح يجد صداه لدى بعض النخب الاقتصادية في داكا التي تفضل الاستقرار المالي على التجاذبات الأيديولوجية.

لكن التوسع الصيني، خاصة في مجالات ذات طابع دفاعي أو تكنولوجي، يثير قلق الهند والولايات المتحدة. اتفاقيات التصنيع الدفاعي أو مشاريع الموانئ تُقرأ دائماً بعدسة استراتيجية أوسع من مجرد الاستثمار.

الهند: جار قلق يعيد الحسابات

الهند، الشريك التاريخي لبنغلاديش منذ استقلالها عام 1971، تتابع التطورات بحذر. العلاقات شهدت تقارباً ملحوظاً في عهد الشيخة حسينة، لكن سقوط حكومتها أحدث فراغاً سياسياً. نيودلهي تخشى أن يؤدي أي انحراف حاد نحو بكين إلى تغيير ميزان القوى في خليج البنغال.

المحلل الهندي سي راجا موهان كتب أن “استقرار بنغلاديش ليس شأناً داخلياً فحسب، بل عنصر أساسي في الأمن القومي الهندي”. ويعتقد أن الهند ستسعى للحفاظ على قنوات تواصل مفتوحة مع أي حكومة مقبلة، حتى لو لم تكن بنفس درجة الانسجام السابقة.

الهند تدرك أيضاً أن الضغط العلني قد يعزز الخطاب القومي داخل بنغلاديش، لذلك تميل إلى دبلوماسية هادئة، قائمة على التعاون الاقتصادي وأمن الحدود.

جيل Z: من الشارع إلى صناديق الاقتراع

داخلياً، يبرز جيل الشباب كلاعب محوري. جيل Z، الذي يُقدَّر أنه يشكل قرابة ثلث الكتلة الناخبة، كان القوة الدافعة وراء احتجاجات 2024. مطالبه لم تقتصر على تغيير الحكومة، بل شملت إصلاحات عميقة في سوق العمل، ومحاربة الفساد، وضمان الحريات.

الناشطة الطلابية عائشة رحمن، إحدى وجوه الحراك، تقول إن “الانتخابات ليست نهاية المعركة، بل بدايتها. نريد نظاماً يضمن الشفافية والمساءلة، لا مجرد تغيير أسماء”. هذا المزاج يعكس وعياً سياسياً جديداً، أقل ارتباطاً بالاستقطاب التقليدي بين الأحزاب الكبرى.

الخبير الاقتصادي البنغلاديشي سليم الريحان يشير إلى أن التحدي الأكبر للحكومة المقبلة سيكون خلق وظائف للشباب المتعلم. “إذا لم يتحقق تحسن اقتصادي ملموس خلال عامين، فقد نشهد موجة احتجاج جديدة”، يحذر الريحان.

الحكومة الانتقالية ومعادلة التوازن

الحكومة الحالية تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين القوى الدولية، مع التأكيد على استقلال القرار الوطني. الخطاب الرسمي يركز على أن بنغلاديش لا ترغب في الانحياز لمحور ضد آخر، بل في تنويع شراكاتها بما يخدم التنمية.

سياسياً، ثمة صعود لقوى جديدة، من بينها تيارات ذات مرجعية إسلامية مثل الجماعة الإسلامية، ما يثير نقاشات حول مستقبل الحريات وحقوق المرأة. الباحثة في شؤون الديمقراطية نازنين أحمد ترى أن “المجتمع البنغلاديشي أكثر تعددية مما يُعتقد، وأي حكومة ستضطر لمراعاة هذا التنوع”.

سيناريوهات وتوقعات

السيناريو الأول يتمثل في فوز حكومة تميل إلى سياسة توازن واضحة، تحافظ على علاقات قوية مع الصين في البنية التحتية، ومع الولايات المتحدة في التجارة والأمن البحري، ومع الهند في القضايا الحدودية. هذا الخيار يبدو الأكثر واقعية على المدى القريب.

السيناريو الثاني هو انحياز أوضح إلى أحد المعسكرين، وهو ما قد يفتح باب ضغوط اقتصادية أو سياسية من الطرف الآخر. غير أن معظم المحللين يرون أن النخبة البنغلاديشية تدرك مخاطر هذا المسار.

أما السيناريو الثالث، والأكثر حساسية، فهو تعثر العملية السياسية أو اندلاع اضطرابات جديدة إذا لم تُلبَّ مطالب الشباب. في هذه الحالة، قد تتراجع الاستثمارات ويزداد التنافس الخارجي حدة.

في المحصلة، تبدو بنغلاديش اليوم أمام فرصة لإعادة تعريف موقعها في النظام الإقليمي. نجاحها في إدارة التوازن بين واشنطن وبكين، واحتواء القلق الهندي، والاستجابة لتطلعات جيلها الشاب، سيحدد ليس فقط مستقبلها الداخلي، بل أيضاً شكل التوازنات في جنوب آسيا خلال العقد المقبل.