فوضى البرلمان الصومالي تفجر أزمة دستورية

أثارت التطورات قلقاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية

اندلعت مناوشات وصراخ اليوم الأربعاء داخل قاعة البرلمان الصومالي خلال جلسة مشتركة كان من المفترض أن تناقش قضايا تشريعية اعتيادية، قبل أن تتحول سريعاً إلى مشهد فوضوي انتهى بتعليق الجلسة. الشرارة جاءت عندما حاول رئيس البرلمان، عدن مدوبي، تمرير تعديلات دستورية مقترحة بشكل مفاجئ.

وهو ما قوبل باعتراض حاد من نواب المعارضة الذين اعتبروا الخطوة محاولة لتمديد عمر المؤسسات السياسية خارج الأطر القانونية.

دستور مؤقت وأزمة دائمة

يعمل الصومال منذ عام 2012 بموجب دستور مؤقت، في انتظار التوافق على صيغة نهائية تنظم شكل الحكم وتقاسم السلطة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية. إلا أن هذا الدستور ظل مصدراً دائماً للخلافات السياسية، إذ تكشف كل محاولة لتعديله أو استكماله عن انقسامات عميقة داخل النخبة الحاكمة، وعن غياب إجماع وطني حول القضايا الدستورية المصيرية.

جدول أعمال مفاجئ يثير الغضب

بحسب نواب معارضين، بدأت الأزمة عندما أعلن رئيس البرلمان إدراج تعديلات على خمسة فصول من الدستور المؤقت ضمن جدول أعمال الجلسة، دون إشعار مسبق أو مشاورات واسعة. ولم يكتفِ بذلك، بل قام بتوزيع نسخ مكتوبة من التعديلات على النواب مع بداية الجلسة،.

ما اعتُبر تجاوزاً للإجراءات البرلمانية المتعارف عليها، ومحاولة لفرض أمر واقع.

اتهامات بتمديد عمر البرلمان

قال نواب المعارضة إن جوهر التعديلات المقترحة يتمثل في السماح بتمديد ولاية البرلمان لمدة عامين إضافيين، في وقت تنتهي فيه ولايته الحالية في أبريل/نيسان، بينما تنتهي ولاية الرئيس في مايو/أيار.

واعتبر المعارضون أن هذه الخطوة تمثل التفافاً على الاستحقاقات الدستورية، وتهديداً مباشراً لمبدأ التداول السلمي للسلطة.

اشتباكات داخل القاعة

التوتر بلغ ذروته عندما تحولت الخلافات السياسية إلى اشتباكات لفظية وجسدية. وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي شجاراً بين وزير الأمن الداخلي عبد الله شيخ إسماعيل، وهو عضو في مجلس الشيوخ ومؤيد لجدول الأعمال، والنائب المعارض حسن ياري.

ورغم عدم اتضاح تفاصيل بداية الشجار، فإن المشهد عكس هشاشة الانضباط داخل البرلمان، وحجم الاستقطاب السياسي الحاد.

أصوات معارضة وتحذيرات صريحة

اتهم النائب المعارض عبد الرحمن عبد الشكور ورسامه رئيس البرلمان عدن مدوبي بمحاولة تمرير التعديلات “على عجل” ودون احترام المسار الدستوري

. وقال إن أي تعديل دستوري يجب أن يتم عبر حوار وطني شامل وتوافق سياسي واسع، محذراً من أن فرض التعديلات بالقوة سيقود البلاد إلى أزمة سياسية جديدة.

شلل الجلسة وقرار التأجيل

رداً على ما اعتبروه انتهاكاً للإجراءات، قام نواب معارضون بتمزيق أوراق جدول الأعمال، وهتفوا بشعارات، وأطلقوا صافرات داخل القاعة، ما أدى إلى توقف الجلسة بالكامل. وأمام الفوضى، أعلن رئيس البرلمان تأجيل الجلسة، محذراً من اتخاذ إجراءات تأديبية بحق النواب المتورطين في الاضطرابات.

ذاكرة أزمة 2021

أعادت هذه الأحداث إلى الأذهان أزمة عام 2021، حين أدت محاولة تمديد الولايات السياسية في عهد الرئيس السابق محمد عبد الله محمد (فرماجو) إلى أزمة دستورية حادة، تخللتها مواجهات مسلحة في مقديشو، وكادت أن تدفع البلاد إلى فوضى شاملة. ويرى مراقبون أن تكرار السيناريو نفسه، ولو بصيغة مختلفة، يثير مخاوف جدية من انزلاق سياسي جديد.

ردود الفعل والمخاوف المستقبلية

أثارت التطورات قلقاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية. محللون حذروا من أن المضي في تعديلات مثيرة للجدل دون توافق قد يقوض ما تحقق من استقرار نسبي، ويضعف ثقة المواطنين بالعملية السياسية.

في المقابل، يرى مؤيدو التعديلات أنها تهدف إلى إصلاح النظام السياسي وسد ثغرات دستورية أعاقت عمل المؤسسات.

إلى أين يتجه المشهد؟

حتى الآن، لم يصدر تعليق رسمي من رئيس البرلمان عدن مدوبي، ولم يُحدد موعد استئناف مناقشة التعديلات. وبين تحذيرات المعارضة ودفاع المؤيدين، يبقى مستقبل المسار الدستوري في الصومال معلقاً على قدرة الأطراف السياسية على تغليب الحوار والتوافق، وتجنب تكرار أزمات الماضي التي دفعت البلاد ثمناً باهظاً لها.