تسليح المياه يهدد جنوب آسيا ومعاهدة نهر السند
تعليق الهند العمل بمعاهدة نهر السند أخطر تهديد لأمن المياه جنوب آسيا
- السيد التيجاني
- 21 يناير، 2026
- القرارات الرسمية, تقارير
- الأمم المتحدة, الانتهاكات الفنية, الهند, باكستان, جنوب آسيا, نهر السند, هشاشة الأمن الإقليمي
أطلقت باكستان تحذيرًا شديد اللهجة من أن القرار الهندي الأحادي بتعليق العمل بمعاهدة مياه نهر السند يمثّل أخطر تهديد لأمن المياه في جنوب آسيا منذ أكثر من ستة عقود، محذّرة من تداعيات تتجاوز النزاع الثنائي لتطال الاستقرار الإقليمي والنظام القانوني الدولي المنظّم للأنهار العابرة للحدود.
وخلال كلمته في اجتماع المائدة المستديرة حول سياسات الإفلاس المائي العالمي، الذي استضافته كندا وجامعة الأمم المتحدة، وصف ممثل باكستان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عثمان جادون، الخطوة الهندية بأنها “تسليح متعمد للمياه”، معتبرًا أنها ترقى إلى انتهاك جوهري لمعاهدة مياه نهر السند الموقعة عام 1960 برعاية البنك الدولي.
معاهدة تاريخية تحت الضغط
تُعد معاهدة مياه نهر السند واحدة من أنجح الاتفاقيات الدولية في إدارة الأنهار المشتركة، إذ صمدت أمام الحروب والتوترات السياسية بين الهند وباكستان. وقد نظّمت المعاهدة تقاسم ستة أنهار رئيسية، ووفّرت آليات واضحة لتبادل البيانات وحل النزاعات.
وأكد السفير جادون أن “موقف باكستان لا لبس فيه: المعاهدة لا تزال سارية قانونيًا ولا تسمح بأي تعليق أو تعديل من جانب واحد”، مشيرًا إلى أن الهند ارتكبت منذ أبريل من العام الماضي انتهاكات خطيرة شملت تعطيل تدفقات المياه باتجاه مجرى النهر دون إخطار مسبق، وحجب بيانات هيدرولوجية حيوية.
أمن مائي مهدد وبقاء على المحك
تكتسب هذه الأزمة خطورة مضاعفة نظرًا لاعتماد باكستان شبه الكلي على حوض نهر السند. فوفق البيانات الرسمية، يوفّر الحوض أكثر من 80% من احتياجات البلاد الزراعية، ويدعم سبل عيش ما يزيد على 240 مليون نسمة.
وقال جادون إن انعدام الأمن المائي بات خطرًا عالميًا نظاميًا، لكنه بالنسبة لباكستان “واقع يومي معاش”. فالبلاد تقع في أسفل مجرى النهر، وتواجه في آنٍ واحد الفيضانات المدمرة، والجفاف المتكرر، وذوبان الأنهار الجليدية المتسارع، واستنزاف المياه الجوفية، والنمو السكاني السريع.
الخبراء: سابقة خطيرة
يرى خبراء القانون الدولي للمياه أن أي تعليق أحادي لمعاهدة السند قد يشكّل سابقة خطيرة. ويقول الخبير في شؤون المياه العابرة للحدود، الدكتور أحمد بلال محبوب، إن “تقويض معاهدة قائمة منذ ستين عامًا يوجّه رسالة مقلقة إلى العالم مفادها أن الاتفاقيات الدولية يمكن تجاوزها حين تتغير الحسابات السياسية”.
من جانبه، حذّر الباحث الهندي المستقل هارش ماندر من أن “تسييس المياه في منطقة نووية النزاعات قد يفتح بابًا لتصعيد غير محسوب العواقب”، معتبرًا أن الأمن المائي يجب أن يبقى خارج منطق العقاب الجماعي.
ردود فعل دولية حذرة
حتى الآن، اتسمت ردود الفعل الدولية بالحذر. فقد دعت مصادر في الأمم المتحدة إلى “ضبط النفس والالتزام بالقانون الدولي”، بينما شددت كندا، بصفتها الدولة المستضيفة للاجتماع، على أهمية التعاون في إدارة الموارد المائية المشتركة.
ويرى مراقبون أن البنك الدولي، بصفته الضامن التاريخي للمعاهدة، سيكون تحت ضغط متزايد للاضطلاع بدور أكثر فاعلية، سواء عبر الوساطة أو تفعيل آليات التحكيم المنصوص عليها في الاتفاق.
استجابة باكستان الداخلية
على الصعيد الداخلي، أشار السفير جادون إلى أن باكستان تعمل على تعزيز قدرتها على الصمود المائي من خلال التخطيط المتكامل، والحماية من الفيضانات، وإعادة تأهيل أنظمة الري، وتجديد المياه الجوفية، واستعادة النظم البيئية.
وسلّط الضوء على مبادرات وطنية مثل “إحياء نهر السند” و**“إعادة شحن باكستان”**، مؤكدًا في الوقت ذاته أن هذه الجهود، مهما بلغت، لا يمكن أن تعوّض غياب التعاون في أحواض الأنهار المشتركة.
التوقعات والسيناريوهات المحتملة
يتوقع محللون ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
التهدئة عبر الوساطة الدولية: وهو السيناريو الأكثر استقرارًا، ويقوم على تدخل البنك الدولي أو آلية تحكيم دولية لإعادة الهند إلى الالتزام بالمعاهدة.
استمرار الوضع الرمادي: حيث لا تُلغى المعاهدة رسميًا، لكن تستمر الانتهاكات الفنية، ما يفاقم انعدام الثقة ويزيد هشاشة الأمن الإقليمي.
التصعيد القانوني والدبلوماسي: عبر لجوء باكستان إلى محاكم دولية ومنصات أممية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات سياسية طويلة الأمد.
المياه كقضية بقاء
في ختام كلمته، دعا السفير جادون إلى الاعتراف الرسمي بـانعدام الأمن المائي كخطر عالمي نظامي قبيل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، مطالبًا بوضع احترام القانون الدولي للمياه والتعاون العابر للحدود في صميم أي إدارة مشتركة.
الخلاصة أن أزمة معاهدة نهر السند لم تعد مجرد خلاف ثنائي، بل اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على حماية الموارد الحيوية من التحول إلى أدوات صراع. وفي منطقة يعاني سكانها أصلًا من هشاشة بيئية وسياسية، فإن “تسليح المياه” قد يكون أخطر من أي سلاح آخر.
الحلول الوطنية
تعمل باكستان على تعزيز قدرتها على مواجهة أزمة المياه عبر برامج وطنية متكاملة تشمل تحديث شبكات الري، وإعادة تأهيل البنية التحتية المائية، وتجديد المخزون الجوفي، إضافة إلى حماية المناطق المعرضة للفيضانات والجفاف. كما أطلقت مشاريع مثل “إحياء نهر السند” و“إعادة شحن باكستان” لتحسين إدارة الموارد المائية داخليًا وتقليل الاعتماد على التدفقات العابرة للحدود.
الوساطة الدولية
على الصعيد الدولي، تركز باكستان على إشراك المؤسسات العالمية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي لدفع الهند نحو الالتزام بالمعاهدة وشفافية البيانات المائية. الهدف هو ضمان إدارة مشتركة ومسؤولة لمياه نهر السند، مع وضع التعاون والالتزام بالقانون الدولي في صميم الحل، لتقليل المخاطر المائية وحماية المجتمعات الواقعة أسفل مجرى النهر.