تأخير المساعدات والخلاف حول أعداد الجثامين
بعد مرور يوم واحد من الهدنة
- السيد التيجاني
- 14 أكتوبر، 2025
- تقارير
- إسرائيل, المساعدات, ترامب, حماس, غزة, وقف إطلاق النار
بعد مرور يوم واحد فقط على دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ، بدأت تظهر بوادر انهياره مبكرًا، في ظل تأخير إسرائيل في السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، وإعادة بروز حركة حماس كقوة مسيطرة على الأرض، مما يضع خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام أمام اختبار عسير.
الهدنة تدخل حيز التنفيذ وسط مشاهد الدمار
شهد قطاع غزة يوم الإثنين 13 أكتوبر لحظة نادرة من الهدوء بعد عامين من القصف والمعارك العنيفة، مع بدء تنفيذ وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه بوساطة دولية بقيادة الولايات المتحدة ومصر وقطر. ومع عودة آلاف النازحين إلى منازلهم المدمرة، بدت ملامح المعاناة الإنسانية أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
في منطقة الزهراء وسط القطاع، عاد الفلسطينيون سيرًا على الأقدام أو عبر عربات تجرها الحمير، محاولين الوصول إلى منازل لم يتبقَ منها سوى الركام. ومع توقف القصف، بدأ الناس يلمسون حجم الكارثة: أحياء سكنية كاملة تحولت إلى رماد، شبكات المياه مدمرة، والكهرباء ما زالت مقطوعة.
إسرائيل تؤجل إدخال المساعدات
رغم اتفاق الهدنة، لم تبدأ المساعدات الإنسانية بالتدفق إلى غزة بالشكل المتوقع. فوفقًا لمسؤولين إسرائيليين، تم تأجيل فتح معبر رفح الحدودي مع مصر، وكذلك إدخال الشاحنات عبر كرم أبو سالم. السبب المعلن: تأخر حماس في تسليم جثث الرهائن الإسرائيليين الذين لقوا حتفهم خلال الحرب.
صرح مسؤول أمني إسرائيلي لوسائل الإعلام أن “إسرائيل لن تسمح بتدفق المساعدات قبل استلام جميع جثث الرهائن، والاطمئنان إلى عدم تجدد العمليات العدائية.” وقد سلمت حماس حتى الآن أربعة توابيت فقط من بين ما لا يقل عن 27 رهينة يفترض أنهم قتلوا، فيما لا يزال مصير رهينة واحد مجهولًا.
هذا التأخير أثار موجة غضب في الأوساط الدولية. فقد حذرت وكالات الإغاثة من تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع، لا سيما أن معدل دخول المساعدات لا يتجاوز الآن 50 شاحنة يوميًا، في حين أن الحد الأدنى المطلوب هو 500 شاحنة لتلبية الاحتياجات الأساسية.
حماس تُعيد فرض سيطرتها على الأرض
بموازاة ذلك، بدأت حركة حماس بسرعة غير متوقعة في فرض سيطرتها الأمنية مجددًا على غزة، بعد الانسحاب الجزئي للقوات الإسرائيلية من المناطق الحضرية.
وظهرت مقاطع مصوّرة صادمة يوم الإثنين تُظهر مقاتلي حماس وهم يُعدمون علنًا سبعة رجال بتهمة “الخيانة والتعاون مع الاحتلال”، في مشهد أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية.
وقال مصدر في حماس إن هذه العمليات تهدف إلى “تطهير غزة من العصابات المسلحة والمتعاونين”، مضيفًا أن بعض المجموعات التي تم تفكيكها كانت تحظى بدعم إسرائيلي ضمنيًا لخلق فوضى داخلية.
ورغم أن الوجود العسكري للحركة كان قد تراجع بشكل كبير بفعل الحملة الإسرائيلية، فإن حماس استغلت وقف إطلاق النار لإعادة تنظيم صفوفها ونشر وحدات جديدة، خصوصًا في محيط الطرق التي يُفترض أن تمر منها المساعدات، بحسب تقارير أمنية فلسطينية.
ترامب: الضوء الأخضر المؤقت لحماس
من المفارقات أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أعلن أن الحرب “انتهت رسميًا”، وافق ضمنيًا على السماح لحماس باستعادة السيطرة المؤقتة على القطاع بهدف حفظ النظام، وفق تصريحات أدلى بها خلال كلمته أمام البرلمان الإسرائيلي.
وقال ترامب: “أردنا إنهاء العنف، وحماس أبدت استعدادها للالتزام بالنظام العام، لذا أعطينا الضوء الأخضر المؤقت حتى يتم التوصل إلى ترتيب دائم.”
لكن هذا الموقف أثار انتقادات من قبل مسؤولين إسرائيليين، الذين يرون أن بقاء حماس مسيطرة يعني تقويض أي تسوية مستقبلية.
وصرّح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مجددًا أن الحرب لن تنتهي فعليًا حتى يتم نزع سلاح حماس بالكامل وإنهاء سيطرتها على غزة، وهو مطلب ترفضه الحركة بشكل قاطع.
العقبات أمام تطبيق خطة السلام
تُعتبر عودة حماس إلى الواجهة الأمنية واحدة من أكبر التحديات التي تواجه المرحلة الثانية من خطة ترامب، والتي كان من المفترض أن تشمل تشكيل قوة دولية لحفظ الأمن، وإنشاء سلطة مدنية انتقالية تُمهّد لانتخابات تشريعية.
لكن القمة التي استضافتها القاهرة يوم الإثنين بمشاركة ترامب وممثلين عن دول عربية وأوروبية انتهت دون نتائج ملموسة، خصوصًا مع غياب توافق دولي حول شكل الإدارة المستقبلية لغزة، وهوية القوة التي ستتولى الأمن.
ومع تأخر تنفيذ الخطط المعلنة، وانعدام الثقة بين الأطراف، تتزايد المخاوف من عودة التصعيد العسكري، خصوصًا أن التوترات الميدانية ما زالت قائمة. فقد قُتل خمسة فلسطينيين في غارة لطائرة إسرائيلية بدون طيار يوم الثلاثاء في شرق غزة، فيما اتهمت حماس الجيش الإسرائيلي بانتهاك الهدنة.
الوضع الإنساني: تحدٍّ يسبق السياسة
بحسب إحصاءات وزارة الصحة في غزة، أسفرت الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023 عن مقتل نحو 68 ألف شخص، في حين لا يزال الآلاف في عداد المفقودين، ويُخشى أنهم دفنوا تحت الأنقاض.
وبينما تتحدث الأمم المتحدة عن “كارثة إنسانية تاريخية”، وصف مرصد الجوع العالمي الوضع في غزة بأنه مجاعة مكتملة الأركان. وقالت منظمة “اليونيسف” إن أكثر من نصف مليون طفل يعانون من سوء تغذية حاد، وإن منظومة التعليم انهارت بالكامل.
وقالت المتحدثة باسم اليونيسف تيس إنجرام: “نحتاج إلى زيادة كبيرة في إدخال المساعدات خلال الأيام المقبلة، وإلا فإننا سنواجه موجات من الوفيات يمكن تجنبها.”
من جانبها، بدأت حماس بنشر مئات العمال لإزالة الركام من الطرق وتسهيل حركة المساعدات، بينما لا تزال المستشفيات تعاني من نقص في الأدوية والأجهزة الطبية، خصوصًا في ظل عدم تفعيل ممر آمن لخروج الجرحى لتلقي العلاج في الخارج.
الرهائن والمعتقلون: ملف لم يُغلق
ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق، تبادلت إسرائيل وحماس آخر 20 رهينة على قيد الحياة مقابل الإفراج عن حوالي 2000 سجين فلسطيني، لكن ملف الرهائن القتلى والمفقودين لا يزال مفتوحًا.
ويقول مسؤولون إسرائيليون إنهم يتوقعون تسلّم جثث بقية الرهائن خلال أيام، لكن مصادر في حماس تؤكد صعوبة تحديد أماكن الجثث، بسبب الدمار الكبير وانهيار العديد من الأنفاق والملاجئ تحت الأرض خلال القصف.
خاتمة: إلى أين تتجه غزة؟
تبدو الأيام المقبلة حاسمة لمستقبل وقف إطلاق النار في غزة. فالمعادلة معقدة: إسرائيل لا تزال مترددة في تقديم تنازلات حقيقية، وحماس تحاول فرض أمر واقع على الأرض، والمجتمع الدولي يتخبط في خياراته، بينما يعاني الفلسطينيون في القطاع من جراح لا تندمل.
وبينما يبقى الأمل قائمًا بأن تتحول هذه الهدنة إلى فرصة حقيقية لبناء مسار سياسي جديد، فإن الواقع يشير إلى أن الطريق ما زال طويلًا، ومليئًا بالعقبات الأمنية والإنسانية والسياسية التي قد تُفجِّر الوضع في أي لحظة.