11 سبتمبر.. من نيويورك إلى حروب الشرق الأوسط الطويلة

تزال آثار ذلك اليوم حاضرة بقوة في السياسة الدولية

بعد خمسة وعشرين عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا تزال آثار ذلك اليوم حاضرة بقوة في السياسة الدولية وخريطة الشرق الأوسط. فالطائرات التي اصطدمت ببرجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون عام 2001 لم تقتل آلاف الأشخاص فحسب، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من الحروب والتدخلات والتحولات الأمنية التي امتدت آثارها إلى العالم كله.

وإذا كانت الهجمات قد وقعت على الأراضي الأمريكية، فإن الشرق الأوسط كان الساحة التي تحملت النصيب الأكبر من تداعيات الرد الأمريكي عليها. فمن أفغانستان إلى العراق، ومن سوريا إلى اليمن وليبيا، تشكلت خلال ربع قرن خريطة جديدة للصراعات، وأعيد تعريف مفاهيم الإرهاب والأمن والسيادة والتدخل العسكري.

القاعدة والمسؤولية عن الهجمات

خلصت التحقيقات الأمريكية الرسمية ولجنة 11 سبتمبر إلى أن تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن كان المسؤول عن تنفيذ الهجمات، التي استخدمت فيها أربع طائرات مدنية مختطفة، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من ثلاثة آلاف شخص.

ووفقاً للتحقيقات، كان خالد شيخ محمد من أبرز العقول المدبرة للعملية، فيما تلقى المنفذون تدريباً وإعداداً على مدى سنوات قبل تنفيذ الهجمات.

لكن فهم أحداث 11 سبتمبر لا يقتصر على معرفة أسماء المنفذين، إذ إن صعود تنظيم القاعدة نفسه ارتبط بسياق تاريخي وسياسي أكثر تعقيداً، يعود إلى الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي خلال ثمانينيات القرن الماضي.

ويرى الباحث الأمريكي لورانس رايت، صاحب كتاب “البرج الشاهق”، أن تنظيم القاعدة لم يظهر فجأة، بل كان نتاجاً لمسار طويل من التحولات السياسية والفكرية والحروب التي شهدتها المنطقة.

أفغانستان.. بداية القصة

خلال الحرب الأفغانية، أصبحت البلاد ساحة مواجهة بين القوى الكبرى، وتدفقت إليها أعداد كبيرة من المقاتلين من دول مختلفة، إلى جانب الأموال والسلاح والدعم اللوجستي.

وبعد انسحاب الاتحاد السوفيتي، لم تنته آثار تلك الحرب، بل بقيت شبكات المقاتلين والخبرات العسكرية والأفكار المتطرفة حاضرة، لتتحول لاحقاً إلى أحد مصادر التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.

ويشير الباحث اللبناني الأمريكي فواز جرجس، المتخصص في الحركات الإسلامية والتنظيمات المتطرفة، إلى أن فهم صعود القاعدة يتطلب النظر إلى البيئة السياسية والحروب والصراعات التي ساهمت في تشكيل خطاب التنظيم وقدرته على التجنيد.

وهنا يبرز فارق أساسي بين تفسير الظاهرة وتبريرها. فدراسة الظروف التي أنتجت التطرف لا تعني تبرير الإرهاب، كما أن مسؤولية التنظيمات المتطرفة عن جرائمها لا يمكن أن تبرر تجاهل العوامل السياسية والاجتماعية التي تسمح باستمرار الظاهرة.

من نيويورك إلى كابول

بعد أسابيع قليلة من الهجمات، بدأت الولايات المتحدة حربها في أفغانستان تحت شعار القضاء على تنظيم القاعدة وإسقاط حكم طالبان.

كانت الحرب بداية ما عرف لاحقاً بـ”الحرب العالمية على الإرهاب”، وهي مرحلة غيرت الاستراتيجية الأمريكية وأعادت رسم أولويات السياسة الدولية.

لكن الحرب الأفغانية تحولت إلى أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها الحديث، قبل أن تنسحب القوات الأمريكية عام 2021 وتعود طالبان إلى السلطة.

ويرى عدد من الباحثين أن التجربة الأفغانية كشفت حدود القوة العسكرية في بناء الدول.

فالولايات المتحدة امتلكت قوة عسكرية هائلة، لكنها لم تستطع خلال عقدين بناء نظام سياسي مستقر قادر على الاستمرار من دون دعم عسكري خارجي.

ويشير الخبير المصري محمد السعيد إدريس إلى أن التدخلات العسكرية الخارجية غالباً ما تواجه مشكلة أساسية تتمثل في الفرق بين إسقاط نظام بالقوة وبناء دولة مستقرة، إذ إن المهمة الثانية أكثر تعقيداً وتحتاج إلى فهم عميق للمجتمع والدولة وتوازناتها.

العراق.. الزلزال الأكبر

إذا كانت أفغانستان هي الرد العسكري المباشر على هجمات 11 سبتمبر، فإن غزو العراق عام 2003 كان التحول الأكثر خطورة على الشرق الأوسط.

لم تثبت التحقيقات وجود علاقة مباشرة بين نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين وهجمات 11 سبتمبر، كما لم يتم العثور على أسلحة الدمار الشامل التي كانت أحد أبرز مبررات الحرب.

لكن الغزو أدى إلى إسقاط النظام وتفكيك مؤسسات رئيسية في الدولة العراقية، وفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي واسع.

ويرى الباحث العراقي إحسان الشمري أن انهيار مؤسسات الدولة العراقية بعد الغزو ساهم في إنتاج بيئة سياسية وأمنية معقدة، دفعت نحو تصاعد الانقسامات الداخلية والصراعات المسلحة.

أما الباحثون في شؤون الإرهاب، فيربطون بين الفوضى التي أعقبت الحرب وصعود تنظيمات مسلحة جديدة، بينها تنظيم القاعدة في العراق، الذي تحول لاحقاً إلى أحد الجذور الرئيسية لتنظيم داعش.

وهكذا أصبح العراق مثالاً واضحاً على أن إسقاط الدولة لا يعني بالضرورة بناء بديل مستقر.

من القاعدة إلى داعش

أحد أبرز مفارقات مرحلة ما بعد 11 سبتمبر هو أن الحرب التي أعلنت بهدف القضاء على الإرهاب لم تنجح في إنهاء الظاهرة.

تلقت القاعدة ضربات كبيرة، وقُتل أسامة بن لادن عام 2011، ثم أيمن الظواهري عام 2022، إلا أن التنظيم استمر عبر فروع وشبكات منتشرة في مناطق مختلفة.

وفي المقابل، ظهر تنظيم داعش، الذي تمكن في مرحلة من السيطرة على مساحات واسعة في العراق وسوريا وإعلان ما سماه “الخلافة”.

ويرى الباحث الأمريكي بروس هوفمان أن التنظيمات المسلحة لا يمكن التعامل معها باعتبارها هياكل جامدة، إذ تستطيع تغيير قياداتها وأماكنها وأساليب عملها.

أما الخبير العسكري اللبناني هشام جابر، فيرى أن انهيار الدولة وغياب الاستقرار يخلقان دائماً مساحات تسمح للجماعات المسلحة بالتمدد.

وهذا ما حدث في أكثر من دولة عربية.

فعندما تضعف الدولة، تظهر الميليشيات.

وعندما تنهار المؤسسات، يتقدم السلاح.

وعندما تطول الحروب، تجد الجماعات المتطرفة فرصاً جديدة للتجنيد.

الشرق الأوسط يدفع الثمن

تحول الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر إلى مركز رئيسي للسياسة الأمنية الأمريكية.

توسع الوجود العسكري.

ازدادت أهمية القواعد العسكرية.

وتضاعف الاهتمام بالممرات البحرية ومصادر الطاقة.

لكن المنطقة لم تكن مجرد ساحة للحرب على الإرهاب.

كانت أيضاً مركزاً للصراع على النفط والغاز والنفوذ السياسي والتنافس بين القوى الكبرى.

ويرى الباحث المصري عماد جاد أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لا يمكن تفسيرها من خلال عامل مكافحة الإرهاب وحده، لأن المصالح الاستراتيجية والاقتصادية وتوازنات القوة كانت حاضرة بقوة في القرارات الكبرى.

وتتضح هذه الحقيقة في منطقة الخليج ومضيق هرمز والبحر الأحمر، حيث ترتبط القضايا الأمنية بحركة الطاقة والتجارة العالمية والمنافسة الدولية.

وبعد سنوات من الحروب، أصبح واضحاً أن الشرق الأوسط لم يعد فقط منطقة نفوذ أمريكي تقليدي، بل تحول إلى ساحة تنافس أكثر تعقيداً بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وقوى إقليمية صاعدة.

القضية الفلسطينية بعد 11 سبتمبر

كان من النتائج المهمة أيضاً صعود الخطاب الأمني في السياسة الدولية.

فبعد الهجمات أصبحت عبارة “الحرب على الإرهاب” حاضرة في كثير من الصراعات، وأصبح الأمن يتقدم في بعض الأحيان على النقاشات المتعلقة بالحقوق السياسية وجذور الأزمات.

ويرى عدد من الباحثين الفلسطينيين أن هذا التحول انعكس على القضية الفلسطينية، حيث أصبح الخطاب الأمني أكثر حضوراً في تناول الصراع.

ويؤكد الباحث الفلسطيني هاني البسوس أن تجاهل الجذور السياسية للصراعات يؤدي إلى استمرارها، وأن أي معالجة حقيقية للقضية الفلسطينية يجب أن تتناول الاحتلال والحقوق الوطنية وحق تقرير المصير.

ويرى مراقبون أن مرحلة ما بعد 11 سبتمبر ساهمت في إعادة صياغة الخطاب السياسي في المنطقة، بحيث أصبح توصيف الخصم أمنياً وإرهابياً جزءاً أساسياً من الصراع، بينما تراجعت في بعض المراحل النقاشات المتعلقة بالأسباب السياسية والتاريخية.

كيف كان رد فعل دول الشرق؟

أدانت دول الشرق الكبرى هجمات 11 سبتمبر، وأعلنت الصين وروسيا والهند واليابان ودول آسيوية أخرى تضامنها مع الولايات المتحدة في مواجهة الإرهاب.

لكن هذا التضامن لم يكن تفويضاً مفتوحاً للسياسة الأمريكية.

فروسيا رأت في البداية فرصة لتقارب مع واشنطن، خصوصاً في ظل اهتمامها بمواجهة الجماعات المسلحة في محيطها.

أما الصين، فأدانت الهجمات، لكنها تمسكت مع مرور الوقت بموقف أكثر تحفظاً تجاه التدخلات العسكرية الأمريكية خارج إطار الأمم المتحدة.

الهند دعمت الحرب ضد الجماعات المسلحة، وربطت بين أحداث 11 سبتمبر وبين مخاوفها الأمنية في جنوب آسيا.

لكن غزو العراق عام 2003 شكل نقطة تحول.

فالصين وروسيا عارضتا الحرب، وبدأت الانتقادات الدولية للسياسة الأمريكية تتصاعد.

ومنذ ذلك الوقت، أخذ العالم يتجه تدريجياً نحو تعدد الأقطاب.

العالم لم يعد كما كان

يرى الباحث الفلسطيني عزمي بشارة أن فهم التحولات في الشرق الأوسط يحتاج دائماً إلى وضعها داخل سياق التحولات الدولية الكبرى.

وهذا ما يفسر جانباً مهماً من إرث 11 سبتمبر.

ففي بداية القرن، كانت الولايات المتحدة تبدو القوة المهيمنة بلا منافس حقيقي.

أما اليوم، فالصين أصبحت قوة اقتصادية وعسكرية كبرى، وعادت روسيا لاعباً أساسياً في عدد من الملفات، فيما صعدت الهند وقوى إقليمية أخرى.

كما أصبحت دول الشرق الأوسط نفسها أكثر حرصاً على تنويع علاقاتها.

فبدلاً من الاعتماد على قوة واحدة، بدأت دول عديدة في بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وبكين وموسكو.

الإسلاموفوبيا.. الوجه الآخر للأحداث

من أخطر نتائج 11 سبتمبر انتشار ظاهرة العداء للمسلمين في عدد من الدول الغربية.

وجد ملايين المسلمين أنفسهم تحت ضغط الشبهات والتمييز والمراقبة، وتحولت بعض الإجراءات الأمنية إلى مصدر للجدل حول الحريات المدنية.

وكانت هذه النتيجة واحدة من أخطر الانتصارات غير المباشرة للتنظيمات المتطرفة.

فالتطرف يقوم على تقسيم العالم إلى معسكرات متصارعة.

وحين تنتشر الكراهية ضد المسلمين، فإنها تمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لتأكيد خطابها القائم على الصدام.

ولهذا فإن مواجهة الإرهاب لا تبدأ فقط من العمليات العسكرية.

بل تبدأ أيضاً من رفض الكراهية.

من المستفيد من الفوضى؟

لا يمكن اختزال أحداث 11 سبتمبر وما تلاها في نظرية مؤامرة واحدة، كما لا توجد أدلة موثوقة تبرر تحميل مسؤولية الهجمات لجهات أخرى غير تنظيم القاعدة.

لكن السياسة الدولية لا تخلو من المصالح.

بعد 11 سبتمبر ارتفعت ميزانيات الدفاع والأمن، وتوسعت الصناعات العسكرية وشركات الحماية والمراقبة.

كما ازدادت صلاحيات أجهزة الأمن في عدد من الدول، وأصبحت مكافحة الإرهاب جزءاً دائماً من السياسات الداخلية والخارجية.

وكان الكاتب المصري الراحل محمد حسنين هيكل يؤكد في قراءاته السياسية أن الأحداث الكبرى لا يمكن فصلها عن مصالح القوى الكبرى وتوازنات القوة الدولية.

وهذا لا يعني أن كل شيء مخطط مسبقاً، لكنه يعني أن القوى والدول والشركات تعرف دائماً كيف تتعامل مع الأزمات وتحاول حماية مصالحها أو توسيع نفوذها.

الدرس بعد خمسة وعشرين عاماً

بعد مرور ربع قرن، لا يزال السؤال قائماً: هل جعلت الحروب العالم أكثر أمناً؟

قُتل قادة تنظيمات.

وفُككت شبكات.

وتطورت أجهزة المخابرات.

لكن الإرهاب لم يختف.

وتواصلت الحروب.

وسقطت دول.

وظهرت أجيال جديدة من الجماعات المسلحة.

لقد أثبتت السنوات أن القوة العسكرية تستطيع تدمير معسكر أو قتل قائد، لكنها لا تستطيع وحدها القضاء على الأفكار أو معالجة الأسباب التي تدفع الشباب إلى العنف.

فالعدل مهم.

والاستقرار مهم.

واحترام الشعوب مهم.

وإنهاء الاحتلالات والصراعات المفتوحة جزء أساسي من أي أمن حقيقي.

بعد خمسة وعشرين عاماً، لم تعد 11 سبتمبر مجرد ذكرى لهجوم إرهابي وقع في الولايات المتحدة.

إنها لحظة تاريخية أعادت رسم خريطة الشرق الأوسط.

بدأت المأساة في نيويورك، لكن آثارها امتدت إلى كابول وبغداد ودمشق وصنعاء وطرابلس ومناطق أخرى.

لقد كان 11 سبتمبر جريمة ضد الأبرياء، لكن الرد عليه أنتج بدوره سلسلة من الحروب والقرارات التي غيرت العالم لعقود.

ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس فقط: من نفذ الهجمات؟

بل ماذا فعل العالم بعد ذلك؟

وهل تعلمت القوى الكبرى أن الحروب وحدها لا تصنع السلام؟

إن الشرق الأوسط، بعد كل ما مر به، يحتاج إلى سياسة جديدة تقوم على احترام سيادة الدول وحقوق الشعوب، ومعالجة جذور الصراعات بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجها.

ذلك هو الدرس الذي ما زال العالم يتعلمه حتى اليوم.

فالحادي عشر من سبتمبر لم ينته بانهيار البرجين.

لقد بدأ بعد انهيارهما تاريخ جديد، وما زلنا نعيش فصوله حتى الآن.

اترك تعليقا