وساطة صينية لاحتواء توتر باكستان وأفغانستان

كفاعل رئيسي في إدارة الأزمات الدولية

تشهد العلاقات بين باكستان وأفغانستان واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا في السنوات الأخيرة، وسط تصاعد التوترات الأمنية وتبادل الاتهامات، في وقت تنشغل فيه القوى الإقليمية والدولية بالحرب الدائرة مع إيران.

وفي هذا السياق، برزت الصين كوسيط رئيسي يسعى إلى احتواء الأزمة، مستفيدة من نفوذها السياسي وعلاقاتها المتوازنة مع الطرفين، في محاولة لإعادة الاستقرار إلى منطقة حساسة تمثل نقطة التقاء لمصالح إقليمية ودولية متشابكة.

جذور التصعيد وتداعياته الأمنية

تعود جذور الأزمة الأخيرة إلى سلسلة من الضربات الجوية التي نفذتها باكستان داخل الأراضي الأفغانية، متهمةً كابل بإيواء جماعات مسلحة تنفذ هجمات عبر الحدود. هذه الاتهامات قوبلت بنفي قاطع من الجانب الأفغاني، الذي اعتبر تلك الضربات انتهاكًا لسيادته وأدت – بحسب روايته – إلى سقوط مئات الضحايا، من بينهم مدنيون في منشآت غير عسكرية.

ومع انهيار هدنة مؤقتة أُعلنت خلال عيد الفطر، تصاعدت الاشتباكات الحدودية، ما أدى إلى إغلاق معابر حيوية كانت تمثل شريانًا اقتصاديًا مهمًا للبلدين. هذا الإغلاق لم يقتصر تأثيره على التجارة فقط، بل امتد ليشمل حركة الأفراد، ما فاقم الأوضاع الإنسانية في المناطق الحدودية.

ويرى الخبير الأمني الباكستاني الدكتور أحمد رشيد أن “الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات طويلة من انعدام الثقة بين الطرفين، وليس مجرد رد فعل لحادثة واحدة”، مشيرًا إلى أن غياب آلية تنسيق أمني فعالة ساهم في تفاقم التوتر.

الدور الصيني وتحولات الوساطة الإقليمية

في ظل هذا التصعيد، تحركت الصين بسرعة لملء فراغ الوساطة الذي خلفه انشغال قوى إقليمية تقليدية مثل قطر والسعودية وتركيا بتداعيات الحرب مع إيران. واستضافت مدينة أورومتشي جولة من المحادثات بين وفود من وزارتي الخارجية والدفاع في البلدين، في خطوة تعكس جدية بكين في الدفع نحو تسوية.

وتعتمد الصين في تحركها على عدة عوامل، أبرزها مصالحها الاقتصادية المرتبطة بمبادرة “الحزام والطريق”، والتي تمر عبر باكستان وتمتد إلى آسيا الوسطى، ما يجعل استقرار المنطقة أولوية استراتيجية لها.

وترى الباحثة في الشؤون الآسيوية الدكتورة لي وانغ أن “الصين لا تتحرك بدافع الوساطة فقط، بل لحماية استثماراتها وضمان استقرار الممرات الاقتصادية الحيوية”، مؤكدة أن بكين تسعى لتقديم نفسها كقوة دبلوماسية بديلة في ظل تراجع أدوار بعض القوى التقليدية.

كما أشار الخبير في العلاقات الدولية الدكتور سعيد الصادق إلى أن “الوساطة الصينية تختلف عن غيرها، إذ تعتمد على البراغماتية الاقتصادية بدلًا من الضغوط السياسية، وهو ما قد يمنحها فرصة أكبر للنجاح”.

آفاق الحل وردود الفعل الدولية

تركز المحادثات الجارية على التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإعادة فتح المعابر الحدودية، إضافة إلى وضع آلية مشتركة لمعالجة القضايا الأمنية. ورغم أن التقدم لا يزال محدودًا، فإن التصريحات الرسمية من الجانبين تعكس استعدادًا مبدئيًا للانخراط في الحوار.

وقد رحبت الحكومة الباكستانية بالوساطة الصينية، معتبرة أنها “خطوة إيجابية نحو استعادة الاستقرار”، فيما أبدت كابل انفتاحًا حذرًا، مشددة على ضرورة احترام سيادتها ووقف أي عمليات عسكرية داخل أراضيها.

على الصعيد الدولي، لاقت الجهود الصينية اهتمامًا واسعًا، حيث اعتبر مراقبون أن نجاحها قد يعزز من دور بكين كوسيط عالمي في النزاعات، خاصة في مناطق النفوذ التقليدي للغرب. في المقابل، يرى البعض أن تعقيد الأزمة وتشابكها مع ملفات أمنية حساسة قد يحد من فرص التوصل إلى حل سريع.

ويؤكد المحلل السياسي الأفغاني حامد كرزاي أن “أي اتفاق لن يكون مستدامًا ما لم تُعالج جذور الأزمة، وعلى رأسها ملف الجماعات المسلحة والتنسيق الأمني”، مشددًا على أهمية وجود ضمانات دولية لتنفيذ أي تفاهمات.

بين الفرص والتحديات

في ظل انشغال العالم بأزمات كبرى، تمثل الوساطة الصينية فرصة نادرة لإعادة ضبط العلاقات بين باكستان وأفغانستان، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات كبيرة، أبرزها انعدام الثقة المتبادل، وتعقيدات الملف الأمني، وتضارب المصالح الإقليمية.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود ولو جزئيًا  قد يمهد الطريق لمرحلة جديدة من الاستقرار في المنطقة، ويعزز من دور الصين كفاعل رئيسي في إدارة الأزمات الدولية، في عالم يشهد تحولات متسارعة في موازين القوى.