واشنطن تلوّح نووياً وبكين تنفي التفجيرات السرية

مع انتهاء العمل بقيود معاهدة «نيو ستارت»

تتصاعد حدة التوتر بين الولايات المتحدة والصين على خلفية تصريحات أميركية تتحدث عن الاستعداد لاستئناف تجارب نووية منخفضة القوة، وهي خطوة لم تُقدم عليها واشنطن منذ عام 1992. يأتي ذلك في سياق اتهامات موجهة لبكين بإجراء اختبار نووي سري عام 2020، ومع انتهاء العمل بقيود معاهدة «نيو ستارت» التي كانت تمثل آخر أطر الحد من الأسلحة الإستراتيجية بين القوى الكبرى.

التحول في الخطاب الأميركي يعكس مناخا دوليا مضطربا، حيث تتآكل منظومة ضبط التسلح التي تأسست بعد الحرب الباردة، ويزداد الشك المتبادل بين العواصم النووية الكبرى. وبينما تؤكد واشنطن أن أي اختبارات محتملة ستكون “متكافئة” ومنخفضة القوة، يرى مراقبون أن مجرد التلويح بالخيار النووي يعيد العالم إلى مرحلة حساسة من التنافس الإستراتيجي.

نهاية حقبة التجميد غير المعلن

منذ آخر تفجير نووي أميركي عام 1992، اعتمدت واشنطن على برنامج “إدارة المخزون النووي” لضمان سلامة وموثوقية ترسانتها من دون اللجوء إلى تفجيرات فعلية. يقوم البرنامج على المحاكاة الحاسوبية المتقدمة والتجارب دون المستوى الحرج، وقد اعتُبر لعقود بديلا تقنيا فعالا يحافظ على الردع من دون خرق الالتزامات السياسية.

لكن مع انتهاء صلاحية القيود الأساسية في معاهدة «نيو ستارت»، يتراجع آخر جدار قانوني كان ينظم أعداد الرؤوس الحربية المنتشرة بين القوى الكبرى. ويرى أستاذ العلاقات الدولية الدكتور جون ميرشايمر أن “تفكك أطر الحد من التسلح يفتح المجال لعودة سياسات القوة التقليدية، حيث تسعى الدول لإثبات تفوقها التقني والعسكري”.

في المقابل، تحذر الخبيرة الأميركية روز غوتيمولر، وهي مسؤولة سابقة في مفاوضات الحد من الأسلحة، من أن “استئناف التجارب سيقوض الثقة الدولية ويضعف فرص التوصل إلى اتفاقات جديدة، لأن الأعراف الدولية ضد التفجيرات تشكلت عبر عقود من الامتناع الطوعي”.

اتهامات لوب نور وأزمة الثقة

الولايات المتحدة تقول إنها رصدت مؤشرات زلزالية تشير إلى اختبار منخفض القوة أُجري في موقع لوب نور الصيني في يونيو/حزيران 2020. وتتهم واشنطن بكين باستخدام تقنيات تفجير داخل تجاويف أرضية لتقليل البصمة الزلزالية، ما يجعل رصد النشاط أكثر صعوبة.

الصين تنفي هذه المزاعم بشدة، وتصفها بأنها مسيّسة ولا تستند إلى أدلة قاطعة. ويؤكد الباحث الصيني لي بن أن “البيانات الزلزالية وحدها لا تكفي لإثبات وقوع اختبار نووي، ويمكن تفسيرها بظواهر جيولوجية طبيعية أو أنشطة صناعية”.

خبراء مستقلون يشيرون إلى أن التحقق من الاختبارات منخفضة القوة مسألة معقدة تقنيا، وأن غياب آلية تفتيش ملزمة يفاقم الشكوك المتبادلة. وهكذا تتحول البيانات العلمية إلى ساحة صراع سياسي، حيث يُستخدم الغموض التقني لتعزيز سرديات الردع.

بين الضرورة العسكرية والكلفة السياسية

داخل الولايات المتحدة، ينقسم الرأي بين من يرى ضرورة تحديث أدوات الردع، ومن يحذر من الانزلاق إلى سباق تسلح جديد. المؤيدون يؤكدون أن المصداقية النووية تعتمد على اليقين بفعالية الرؤوس الحربية، وأن خصوما محتملين يطوّرون قدرات متقدمة قد تتطلب اختبارات عملية للتأكد من الجاهزية.

الخبير الأميركي براد روبرتس يرى أن “الردع ليس مجرد أرقام، بل ثقة تقنية كاملة بالسلاح، وأي شك قد يُضعف الرسالة الموجهة للخصوم”. لكنه يعترف في الوقت ذاته بأن القرار سيكون مكلفا سياسيا ودبلوماسيا.

المعارضون يشددون على أن إعادة تفعيل مواقع الاختبار ستحتاج سنوات من التحضير واستثمارات بمليارات الدولارات، فضلا عن تداعيات بيئية محتملة. كما أن خطوة كهذه قد تمنح دولا أخرى ذريعة لاستئناف برامج اختبارها، ما يسرّع تفكك نظام عدم الانتشار.

انعكاسات على النظام الدولي

التلويح الأميركي بالتجارب النووية لا يُقرأ بمعزل عن سياق أوسع من التنافس الجيوسياسي. فالعلاقات بين واشنطن وبكين تشهد توترا متصاعدا في ملفات التجارة والتكنولوجيا وبحر الصين الجنوبي، ويأتي الملف النووي ليضيف بعدا إستراتيجيا بالغ الحساسية.

حلفاء الولايات المتحدة قد يجدون أنفسهم في موقف دقيق: فمن جهة يعتمدون على المظلة النووية الأميركية، ومن جهة أخرى يدعمون تقليديا مساعي الحد من التسلح. أما روسيا، فرغم أنها ليست طرفا مباشرا في الاتهامات الأخيرة، فإن أي تصعيد أميركي–صيني سيؤثر حتما على حساباتها الإستراتيجية.

وترى الباحثة الألمانية أولريكه فرانك أن “عودة التفجيرات، حتى المحدودة، قد تشكل نقطة تحول نفسية في النظام الدولي، لأنها تكسر حاجزا استمر أكثر من ثلاثة عقود”. وتضيف أن دولا آسيوية تراقب التطورات عن كثب، ما قد يغيّر حسابات الردع الإقليمي.

ورقة ضغط أم بداية مرحلة جديدة؟

السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت واشنطن تستخدم خيار التجارب كورقة تفاوض لإجبار الصين على الانخراط في إطار جديد للحد من الأسلحة، أم أنها تمهد فعليا لمرحلة مختلفة من السياسة النووية. بعض المراقبين يرجحون أن التلويح يهدف إلى دفع بكين إلى طاولة المفاوضات ضمن اتفاق أوسع يشمل جميع القوى النووية الكبرى.

لكن المخاطرة تكمن في أن تتحول الرسائل السياسية إلى خطوات عملية يصعب التراجع عنها. فالتاريخ يُظهر أن سباقات التسلح تبدأ غالبا بسلسلة من الإجراءات المتبادلة التي تُبرَّر بالردع، ثم تتراكم تدريجيا حتى يصبح التصعيد واقعا قائما.

في النهاية، يقف العالم أمام مفترق طرق: إما إعادة إحياء مسار تفاوضي شامل يعيد بناء الثقة ويضع قيودا واضحة على الترسانات النووية، أو الانزلاق إلى مرحلة تنافس مفتوح قد تعيد أجواء الحرب الباردة بثوب جديد. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل نظام عدم الانتشار رهنا بقرارات تُتخذ في واشنطن وبكين خلال الأشهر المقبلة.