واشنطن تحشد في الكاريبي وفنزويلا ترد
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية
- السيد التيجاني
- 16 ديسمبر، 2025
- تقارير
- أمريكا الجنوبية, البحر الكاريبي, الولايات المتحدة, فنزويلا, قطع بحرية, واشنطن
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، برزت التحركات العسكرية الأميركية الأخيرة بوصفها تطورًا لافتًا يحمل أبعادًا سياسية وأمنية واسعة.
فقد أعلنت واشنطن توقيع اتفاقات عسكرية مع كل من ترينيداد وتوباغو وباراغواي، تتيح للقوات الأميركية استخدام مطارات ونشر وحدات عسكرية، في وقت تشهد فيه العلاقات مع فنزويلا مزيدًا من التدهور.
هذه الخطوات أعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة-جديدة بشأن النفوذ الأميركي في “الفناء الخلفي” لأميركا الجنوبية، وما قد يترتب عليها من تداعيات إقليمية.
خلفية التحركات الأميركية
بحسب البيانات الرسمية، يسمح الاتفاق الموقّع مع ترينيداد وتوباغو للطائرات العسكرية الأميركية باستخدام مطارات البلاد لأغراض لوجيستية تشمل التموين ونقل الجنود.
وأكدت حكومة ترينيداد أن الاتفاق لا يتضمن إنشاء قواعد عسكرية دائمة، ولا يستهدف أي دولة بعينها، بل يندرج في إطار التعاون لمكافحة الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات.
في المقابل، وقّعت الولايات المتحدة اتفاقية منفصلة مع باراغواي، تسمح بنشر قوات أميركية على أراضيها، وهو ما اعتبرته وزارة الخارجية الأميركية تعزيزًا للشراكة الاستراتيجية والتنسيق الأمني في مواجهة التحديات الإقليمية.
وتزامنت هذه الخطوات مع انتشار قطع بحرية أميركية في الكاريبي، من بينها حاملة طائرات، الأمر الذي فسّره مراقبون على أنه رسالة ضغط واضحة موجهة إلى فنزويلا، في ظل الخلافات السياسية والاقتصادية المستمرة بين واشنطن وكراكاس.
الموقف الفنزويلي
جاء الرد الفنزويلي حادًا، إذ اتهمت نائبة الرئيس ووزيرة النفط ديلسي رودريغز ترينيداد وتوباغو بالتواطؤ مع الولايات المتحدة في اعتراض واحتجاز ناقلة نفط فنزويلية قبالة السواحل.
ووصفت رودريغز ما جرى بأنه “عمل قرصنة” وانتهاك صارخ للقانون الدولي ومبادئ حرية الملاحة والتجارة.
كما حمّلت حكومة كراكاس رئيسة وزراء ترينيداد وتوباغو، كاملا بيرسا-بيسيسار، مسؤولية ما اعتبرته “سياسة عدائية” تجاه فنزويلا منذ توليها السلطة، محذّرة من أن استمرار هذه التحركات قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب العواقب.
ردود إقليمية ودولية
إقليميًا، سادت حالة من القلق والترقب، خصوصًا في الدول المتاخمة لفنزويلا. ففي كولومبيا، رفعت السلطات درجة الاستعداد الأمني على الحدود، وسط مخاوف من تدفق موجات لجوء جديدة في حال حدوث مواجهة عسكرية. كما بادرت منظمات إنسانية وكنسية إلى الاستعداد لسيناريوهات طارئة، تحسبًا لأي تطورات مفاجئة.
دوليًا، دعت بعض الدول في أميركا اللاتينية إلى ضبط النفس وتغليب الحلول الدبلوماسية. وأكدت مصادر دبلوماسية أن عدة حكومات تخشى من أن تؤدي عسكرة الخلافات السياسية إلى زعزعة استقرار المنطقة، التي تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة.
التداعيات السياسية
سياسيًا، يرى محللون أن التحركات الأميركية قد تعمّق الاستقطاب الإقليمي بين محور داعم لواشنطن وآخر متعاطف مع فنزويلا وحلفائها.
ويعتقد الدكتور كارلوس مارتينيز، الخبير في شؤون أميركا اللاتينية، أن “الولايات المتحدة تسعى إلى إعادة تثبيت نفوذها في المنطقة، في مواجهة تنامي أدوار قوى دولية أخرى”، معتبرًا أن الاتفاقات العسكرية تحمل رسائل ردع أكثر منها ترتيبات أمنية تقنية.
من جانبه، يرى المحلل الأميركي جون أندرسون أن هذه الخطوات “دفاعية بالأساس”، وتهدف إلى حماية المصالح الأميركية وضمان أمن الملاحة ومكافحة الجريمة العابرة للحدود.
لكنه أقر في الوقت نفسه بأن “سوء إدارة الرسائل السياسية قد يحوّل هذه التحركات إلى عامل توتر إضافي”.
التداعيات الأمنية والاقتصادية
أمنيًا، يخشى مراقبون من أن تؤدي زيادة الوجود العسكري الأميركي إلى سباق تسلح إقليمي أو إلى تحركات مضادة من قبل فنزويلا وحلفائها، ما قد يرفع مستوى المخاطر في البحر الكاريبي.
كما أن أي احتكاك عسكري، حتى وإن كان محدودًا، قد ينعكس سلبًا على أمن الطاقة والتجارة البحرية.
اقتصاديًا، يمكن أن تتأثر الدول الصغيرة في الكاريبي سلبًا في حال تراجع الاستقرار الإقليمي، سواء من خلال انخفاض الاستثمارات أو تضرر السياحة. في المقابل، قد ترى بعض الحكومات أن التعاون الأمني مع واشنطن فرصة للحصول على دعم مالي وتقني.
آفاق المرحلة المقبلة
تجمع غالبية التقديرات على أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف المعنية على احتواء التصعيد. فإما أن تتحول الاتفاقات العسكرية إلى أداة ضغط سياسية محدودة الأثر، أو أن تنزلق المنطقة إلى توتر أوسع يفتح الباب أمام سيناريوهات غير مرغوبة.
وفي هذا السياق، تؤكد الباحثة الكولومبية ماريا غونزاليس أن “الحوار الإقليمي الشامل يبقى الخيار الأنجع لتفادي الانفجار”، محذّرة من أن تجاهل البعد الإنساني والسياسي للأزمة قد يجعل الكاريبي وأميركا الجنوبية أمام مرحلة عدم استقرار طويلة الأمد.