هل تستهدف واشنطن وتل أبيب إيران فقط أم المنطقة بأكملها؟
بين تغيير النظام وإعادة تشكيل الخريطة
- dr-naga
- 5 مارس، 2026
- المشاريع العالمية, تقارير
- إيران, الشرق الأوسط, الولايات المتحدة وإسرائيل, تل أبيب, واشنطن
الرائد: في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تشهده المنطقة، تبرز تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية للتحرك الأمريكي الإسرائيلي المشترك ضد إيران. فهل يقتصر الأمر على إسقاط النظام في طهران، أم أن الأجندة أعمق وأشمل، وتمتد إلى إعادة هندسة أنظمة المنطقة وتوازنات القوى فيها؟
# الأهداف المعلنة والضمنية: من طهران إلى عواصم المنطقة
يُجمع محللون ومراقبون على أن التصريحات الرسمية الأمريكية والإسرائيلية تشير صراحة إلى سعي واشنطن وتل أبيب لتغيير النظام الإيراني. فبحسب المفكر الأمريكي جيفري ساكس في مقابلة حصرية مع قناة إنديا توداي، فإن الضربة الأمريكية ضد إيران كانت مخططة مسبقاً وجذورها تعود إلى ثلاثين عاماً من الضغط الإسرائيلي، مضيفاً أن كل ما يُقال هو كذب، وأن الولايات المتحدة تكذب من أجل العيش، واصفاً الوضع بأنه خطة للسيطرة الأمريكية على الشرق الأوسط وهيمنة إسرائيل عسكرياً.
من جهته، يؤكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن العملية العسكرية المشتركة ستخلق الظروف للشعب الإيراني الشجاع ليأخذ مصيره بيديه، في إشارة واضحة إلى هدف تغيير النظام. أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد صرح عبر منصة تروث سوشيال بأن الهدف هو الدفاع عن الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني، متحدثاً عن تدمير البحرية الإيرانية وصناعة الصواريخ الإيرانية حتى الرماد.
لكن هل يتوقف الهدف عند هذا الحد؟ يرى ساكس أن الاستراتيجية الأوسع للتحالف الأمريكي الإسرائيلي تسعى إلى السيطرة التامة على المنطقة، حيث يجب أن تكون إسرائيل القوة المهيمنة في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية والدول العربية وإيران أيضاً، بينما تستخدم الولايات المتحدة هذا النفوذ كجزء من هيمنتها العالمية.
من جهته، حذر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحقوق الإنسان في إيران، ماي ساتو، إلى جانب خبراء مستقلين آخرين، من أن الهجمات غير المبررة من الولايات المتحدة وإسرائيل تنتهك الحظر الأساسي على استخدام القوة وسيادة الدول وسلامتها الإقليمية بموجب المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدين أن التدخل العسكري غير القانوني ليس حلاً للقضية النووية أو لمكافحة الإرهاب المزعوم أو للوضع الحقوقي في إيران.
# أدوات التحرك: بين العسكري والاقتصادي والدبلوماسي
تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على مجموعة متكاملة من الأدوات لتحقيق أهدافهما. عسكرياً، تشير تقارير إلى أن العملية التي أُطلقت عليها اسم الغضب الملحمي تستهدف ليس فقط المنشآت النووية والعسكرية، بل أيضاً القيادات السياسية والعسكرية الإيرانية، بما في ذلك مناطق مرتبطة بمكتب المرشد الأعلى علي خامنئي.
اقتصادياً، تواصل واشنطن فرض عقوبات مشددة على شبكات النفط والصواريخ الإيرانية، مع ممارسة ضغوط على الدول التي تتاجر مع طهران. دبلوماسياً وإعلامياً، تعمل واشنطن وتل أبيب على عزل إيران دولياً وترويج سرديات تبرر العمل العسكري، في تكرار لسيناريو سبق غزو العراق عام 2003، كما حذر الخبراء الأمميون.
# ما الواجب على دول المنطقة؟
في مواجهة هذا السيناريو المعقد، يجد خبراء ومحللون أن دول الشرق الأوسط أمام خيارات صعبة. يرى الكاتب التركي مراد يتكين في تحليل له بصحيفة يتكين ريبورت أن تركيا تبذل حالياً أكبر جهد دبلوماسي عالمياً لإيقاف هذه الحرب وإتاحة فرصة للدبلوماسية، مشيراً إلى أن أنقرة تواصلت مع قادة الولايات المتحدة وقطر والإمارات والسعودية والكويت والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي وألمانيا خلال أيام قليلة.
ينصح يتكين بأن تواصل أنقرة المسار الصحيح الذي اتبعته في الحرب الروسية الأوكرانية، بالامتناع عن الانخراط في الصراع والسعي لحله دبلوماسياً. من جهتها، تؤكد دول الخليج، وفق تقارير ألجيرة الإنجليزية، على ضرورة أن تعود طهران إلى رشدها، محذرة من أن استمرار التصعيد يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
يوصي محللون بأن تعزز دول المنطقة سيادتها واستقلالها الاستراتيجي عبر تنويع الشراكات الدولية، وأن تطلق مبادرات حوار جماعية تشمل جميع أطراف النزاع، مع استخدام ثقلها السياسي والاقتصادي للضغط من أجل حل دبلوماسي بدلاً من التصعيد، خاصة أن المنطقة لا تحتمل مزيداً من الحروب.
#خريطة المواقف الدولية: بين الإدانة والحياد الحذر
أوروبا تتعامل مع الأزمة بمنطق مزدوج. فبحسب تحليل يتكين ريبورت، تتردد القيادات الأوروبية في الحرب على إيران، حيث اكتفت ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة في بياناتها المشتركة بإدانة رد إيران فقط دون ذكر الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران أو اغتيال قيادتها. الاستثناء الوحيد كان إسبانيا التي عارضت التحالف الأمريكي الإسرائيلي ومنعت استخدام قواعدها من قبل الطائرات الأمريكية للعمليات ضد إيران.
تركيا تسعى إلى لعب دور الوسيط النشط. فقد أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن بلاده تبذل جهوداً دبلوماسية مكثفة لحل القضايا على طاولة المفاوضات، محذراً من أن استمرار التصعيد أدى إلى وضع غير مستقر في المنطقة. ونفت أنقرة أي دور في الهجمات على إيران، مؤكدة أن مجالها الجوي والقواعد على أراضيها لم تستخدم في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
روسيا والصين اكتفتا حتى الآن بالدعوة إلى وقف إطلاق النار ووقف التصعيد خلال اجتماعات مجلس الأمن. وتحذر موسكو من أن الحرب قد تدفع إيران وجيرانها العرب إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية، مما يفجر سباق تسلح نووي في المنطقة. من جانبها، اعتبرت بكين أن الضربات على إيران تمثل انتهاكاً صارخاً، مؤكدة أن القوة لا يمكنها فعلياً حل المشكلات. ويشير مراقبون إلى أن دعم موسكو وبكين لطهران يبقى تحت عتبة الحرب، ويركز على الجوانب السياسية والاقتصادية والتقنية.
لحظة فارقة تتطلب حكمة استثنائية
تقف المنطقة اليوم على مفترق طرق تاريخي. فبينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق أهدافهما عبر تغيير النظام الإيراني وإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة، تواجه دول المنطقة والمجتمع الدولي تحدياً وجودياً: هل سيتمكنون من كسر دائرة التصعيد وفرض منطق الحوار والدبلوماسية، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة طويلة من الفوضى وإعادة رسم الحدود؟
الإجابة على هذا السؤال لا تعتمد فقط على موازين القوى العسكرية، بل على قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على إدراك أن الأمن الحقيقي لا يُبنى على أنقاض الآخرين، وأن استقرار الشرق الأوسط هو مصلحة عالمية عليا لا تقبل المساومة. في هذه اللحظة الحرجة، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى قيادة سياسية حكيمة تضع مصلحة الشعوب وسلام المنطقة فوق كل اعتبار.