هل تستطيع أمريكا غزو إيران برياً؟

السلاح الأخطر الذي لم تستخدمه إيران بعد.. الجغرافيا تحميها من الهزيمة

في ظل التصعيد العسكري الأمريكي-الإسرائيلي ضد إيران، ومع وصول قوات المارينز وقوات المظليين النخبة الـ82 إلى المنطقة، وتداول تقارير أمريكية في أكسيوس وفورين بوليسي سيناريوهات عمليات برية محدودة تستهدف جزيرة خرج ولاراك وغيرها، يبرز دور الجيوستراتيجيا والجغرافيا كعامل حاسم يمكن أن يحدد نتيجة أي مواجهة محتملة.

هل تحسب إدارة ترامب حساب «طغيان الجغرافيا» الإيرانية؟ وهل الولايات المتحدة قادرة فعلاً على خوض حرب برية محدودة أو شاملة ضد إيران؟ وهل نحن أمام سيناريو حرب خليجية جديدة تشارك فيها دول عربية وإسلامية بقوات برية؟

يناقش أسامة جاويش مع الدكتور عصام عبد الشافي، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، هذه القضايا من زاوية جيوستراتيجية عميقة تركز على أركان القوة الجغرافية لإيران، مقارنة بالتجارب التاريخية، وتقييم قدرة أمريكا على التورط البري.

س:هل دونالد ترامب والإدارة الأمريكية حاسبين حساب هذا؟ هل الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على خوض حرب برية؟ هل نحن أمام سيناريو حرب خليج جديدة؟ هل سنجد السعودية والإمارات وقطر والكويت ومصر وتركيا ودولاً كثيرة تقول «يلا نحن سنعمل تحالفاً وحرباً خليجية جديدة»، ونجد دولاً عربية وإسلامية تشارك بقوات برية؟

 

ج: دعني أبدأ بتوضيح أكاديمي صغير لكنه مهم جداً في هذا السياق. عندما نتحدث عن تحليل أي قضية، هناك مصطلح مركزي هو «الجيوستراتيجية». الجيوستراتيجية لأي دولة تقوم على عشرة أركان مرتبطة بشكل مركزي بمفهوم الجغرافيا: موقع الدولة الجغرافي، مساحتها، شكلها، مناخها، مواردها، سكانها، تضاريسها، اتصالها بالبحر، علاقتها بالمحيط، وحدودها الجغرافية. هذه الأركان العشرة هي من أهم محددات القوة العسكرية للدولة. إيران تمتلك هذه الأركان العشرة بامتياز. موقعها يشرف بالكامل على البوابة الشرقية للخليج العربي، وبالتالي تتحكم في مضيق هرمز، أحد أهم المضايق الاستراتيجية في العالم. مساحتها كبيرة ولها عمق بري كبير، لكنها تتمتع بامتدادات بحرية مهمة على بحر قزوين شمالاً، والبحر الخليج العربي والمحيط الهندي جنوباً. هذا يمكنها من بناء قدرات بحرية متطورة، بخلاف الدول الحبيسة مثل أفغانستان. التضاريس من أهم العوامل التي تعزز قدرات إيران العسكرية، وهي نفسها التي ساعدت أفغانستان على مواجهة أربع قوى إمبراطورية تعاقبت على احتلالها حتى الولايات المتحدة. الأمريكان خرجوا مهزومين من أفغانستان بعد عشرين عاماً من الحرب رغم مشاركة قوات الناتو التي تضم ثلاثين دولة. عندما نتحدث عن «طغيان الجغرافيا»، نجد أن الجغرافيا لا تزال أحد أهم العوامل الاستراتيجية في السياسات الخارجية للدول، وأحد أهم معايير قوة الدول جيوستراتيجياً.

س: عندما نتحدث عن نقاط القوة ونقاط الضعف، قوات المارينز وصلت اليوم إلى المنطقة في انتظار قوات المظليين النخبة الـ82. أين ستكون البداية يا دكتور عصام؟ أكسيوس تحدثت منذ يومين عن سيناريوهات احتلال جزيرة خرج أو لاراك أو عملية داخل إيران لسرقة 450 كيلو من اليورانيوم المخصب. لو قرر ترامب عملية برية، برأيك من أين سيبدأ؟

ج: دعنا نرجع إلى سيناريو الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. لا توجد مقارنة جيوستراتيجية بين إيران والعراق، لأن مساحة إيران مليون وستمائة ألف كيلومتر مربع، بينما العراق أقل بكثير، وتضاريسه سهلية نهرية بخلاف جبال زاجروس وغيرها في إيران. في 2003 جهزت أمريكا حوالي 575 ألف مقاتل في شمال الكويت للغزو البري الشامل. لكننا هنا لا نتحدث عن غزو بري شامل لكل الأراضي الإيرانية، بل عن عمليات محدودة. إذا قام ترامب بعملية محدودة، فهو يستهدف ثلاثة أهداف أساسية.

س: ما هي هذه الأهداف الثلاثة يا دكتور؟

جواب: الأول: البرنامج النووي، وهو عملية نوعية لقوات دلتا فورس للحصول على حوالي 400 كيلو من اليورانيوم المخصب. الثاني: تحييد القدرات الاقتصادية، وهو السيطرة على العنصر النفطي والغازي في جزيرة خرج. الثالث: تحرير المرور في مضيق هرمز، وهو التحرك عبر جزيرة لاراك.

س: أريد أن أتوقف عند هذه الأهداف الثلاثة والأماكن. في تقرير فورين بوليسي قالوا إن إيران لو نقلت الـ450 كيلو يورانيوم مخصب من المناطق الغربية إلى الشرقية البعيدة عن الخليج، فهذا يعني تأميناً عالياً جداً وصعوبة الحصول عليها حتى بعملية برية. ما الفرق بين شرق إيران وغربها؟

جواب: غرب إيران أكثر اختراقاً أمنياً ولوجستياً من جانب الأمريكيين، بفضل شبكة قواعدهم في الخليج وتركيا والبحر المتوسط، وارتباط إيران غرباً بسبع أو ثماني دول ترتبط استراتيجياً بالولايات المتحدة. أما شرق إيران فهو أكثر تعقيداً وصعوبة في الوصول بسبب أفغانستان وتركمانستان والصين وباكستان، مما يجعل العمق الاستراتيجي هناك أصعب على أي اختراق.

س: في الإعلام الأمريكي الأيام الماضية تم ذكر ثلاث جزر: خرج، لاراك، وأبو موسى. ما أهميتها الجغرافية وعلاقتها بالحرب الدائرة الآن؟

جواب: إيران تمتلك جزراً مهمة مثل قشم وهرمز ولاراك وخرج. أما أبو موسى (مع طنب الكبرى والصغرى) فهناك خلاف مع الإمارات منذ 1971. أبو موسى أقرب إلى المياه الإقليمية الإماراتية، ويمكن أن تُستخدم كورقة سياسية لإشراك الإمارات في الحرب وابتزازهم مالياً. لكن استراتيجياً، الأسطول الأمريكي الخامس في المنامة يوفر أكثر مما توفره أبو موسى. أما لاراك وهرمز فهما الأكثر أهمية للسيطرة على مضيق هرمز، وخرج هي الأولى في البنية النفطية والغازية.

س: في تقرير فورين بوليسي قالوا عبارة لافتة عن إيران لديها جنرالان في هذه الحرب: جنرال الجغرافيا (الجبال والمضايق مثل هرمز وباب المندب)، والجنرال الثاني هو جنرال قدرة التحمل العامة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقدرتها على خوض حروب طويلة الأمد. إلى أي مدى تتفق مع هذا؟

ج: أتفق مع هذه الخلاصة بامتياز. إيران تمتلك محورين أساسيين أو ملفين استراتيجيين رئيسيين يعززان قدراتها: الأول هو الجغرافيا (الجبال والمضايق مثل هرمز)، والثاني هو قدرة التحمل العامة لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقدرتها على خوض حروب طويلة الأمد. الجغرافيا هي المحور الأول، وإيران طورت ممراً استراتيجياً شمال-جنوب يربط روسيا عبر بحر قزوين بالبحر العربي، وهو خط إمداد حيوي. كما أن تجربة الحرب العراقية-الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (التي يسمونها «الحرب المفروضة») تثبت قدرة إيران الهائلة على الصمود. بنية النظام السياسي والأمني والعسكري في إيران (الباسيج، الحرس الثوري، الحوزات الدينية) تجعل الشعب كله جزءاً من المنظومة الدفاعية، وهذا يعطيها نفساً طويلاً يفوق بكثير ما كان لدى أفغانستان. لو خرجت أمريكا مهزومة من أفغانستان رغم ضعف قدراتها، فالنتائج في أي مواجهة مع إيران ستكون حتماً في صالحها.

س: سؤالي الأخير: هل المنطقة أمام حرب خليج جديدة ربما يدفع فيها دونالد ترامب بدول الخليج إلى غزو بري لإيران؟

ج: هذا كان هدف ترامب وحلفائه من اليوم الأول. لكنه وجد وعياً وخشية من التورط لدى معظم النخب الخليجية، باستثناء النظام في الإمارات الذي أبدى استعداداً كاملاً ليكون شريكاً في أي عملية برية أو عسكرية ضد إيران. منظومة مجلس التعاون تعاني انشقاقاً: قطر وسلطنة عمان تتجهان نحو التحييد والتهدئة، والكويت وبعض نخبها تعاند في هذا المسار. الدول الخليجية يجب أن تدرك أن أي تورط مباشر في غزو بري لإيران سيجعل شعوبها أكبر المتضررين، تماماً كما حدث في الكويت 1990 والعراق 2003. من المهم جداً ألا تسمح هذه الدول لترامب بتحقيق أهدافه الشخصية وحليفه على حساب ثروات وأمن شعوب المنطقة.

المصدر: قناة مكملين