هل أوقف ترامب الحرب حقاً بين الهند وباكستان؟ القصة الكاملة

في ظل غياب الأدلة

أثار الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب موجة من الجدل مجددًا بعد ادعائه أنه منع اندلاع حرب بين الهند وباكستان في مايو/أيار الماضي، مستخدمًا ما وصفه بـ”التهديد الجمركي” كوسيلة ضغط لحسم الصراع.

وفي مقابلة بثتها شبكة فوكس نيوز، قال ترامب إنه أوقف الحرب من خلال تهديد البلدين النوويين برسوم جمركية بنسبة 200%، وأضاف أن ذلك أجبرهما على وقف إطلاق النار خلال 24 ساعة فقط.

لكن هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، حيث شكك خبراء في الشؤون الدولية ومسؤولون سابقون في مدى دقتها، واعتبرها البعض جزءًا من حملة دعائية سياسية تسبق الانتخابات.

التهديد بالرسوم الجمركية.. سلاح ترامب “السحري”

قال ترامب: “لقد كانت الهند وباكستان على شفا مواجهة نووية. سقطت سبع طائرات، وهذا عدد كبير. أبلغت الطرفين أننا سنفرض 200% رسومًا جمركية، مما سيجعل التعامل معهما مستحيلًا. وبعد 24 ساعة توقفت الحرب”.

وأضاف أن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أشاد بتدخله، قائلاً إن ترامب “أنقذ ملايين الأرواح”.

في 10 مايو 2025، أعلن ترامب عبر منصته على وسائل التواصل الاجتماعي أن وقف إطلاق نار “كاملًا وفوريًا” تم الاتفاق عليه بين الجانبين، بعد ما وصفه بـ”ليلة طويلة من المحادثات” بوساطة أمريكية.

هذه الرواية كررها ترامب في مناسبات عديدة خلال الأشهر الماضية، مدعيًا أنه لعب دورًا دبلوماسيًا فعالًا لم يحظَ بالتقدير الكافي من وسائل الإعلام.

انتقادات وتحفظات.. هل تدخل ترامب فعلاً؟

رغم ضجة التصريحات، أبدى دبلوماسيون وخبراء شكوكًا كبيرة بشأن مدى صحة ما قاله ترامب.

قال الدكتور راجيش راماناثان، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نيودلهي، إن التصريحات “غير واقعية ومبالغ فيها بشدة”، مضيفًا: “لا توجد أدلة موثقة على وجود مفاوضات مباشرة قادها ترامب أو مسؤولون أمريكيون في تلك الليلة”.

بدورها، وصفت الباحثة في شؤون جنوب آسيا، ميرا باتنايك، تصريحات ترامب بأنها “نسخة درامية لأحداث معقدة”، مشيرة إلى أن خفض التصعيد بين الهند وباكستان غالبًا ما يتم عبر قنوات استخباراتية ودبلوماسية غير معلنة، وليس بتغريدة أو تهديد جمركي.

وحتى داخل واشنطن، لم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أو أي من مستشاري الأمن القومي السابقين لتلك الفترة صحة هذه الوساطة المزعومة.

أما المسؤول السابق في البنتاغون، جيمس ماتيس، فقد قال لمجلة “فورين بوليسي”: “لو كانت هناك تهديدات جمركية بهذا الشكل، لكانت قد فجّرت أزمة دبلوماسية أوسع. لم نرَ أي أثر واقعي لما يدعيه ترامب”.

باكستان تؤكد إسقاط طائرات.. والهند تلتزم الصمت

من جانبها، أكدت السلطات الباكستانية في مايو/أيار أنها أسقطت سبع مقاتلات هندية خلال تصعيد عسكري في كشمير، من بينها ثلاث طائرات من طراز “رافال”، وهي من أحدث الطائرات التي تمتلكها الهند.

ورغم إعلان إسلام آباد، لم تصدر نيودلهي أي تأكيد رسمي أو نفي مباشر، بل اكتفت بدعوة وسائل الإعلام المحلية والدولية إلى “التحلي بالمسؤولية” في تغطية الأوضاع.

وتجنبت وزارة الخارجية الهندية التعليق على تصريح ترامب، فيما رفضت وزارة الدفاع الإدلاء بأي بيانات بشأن عدد الطائرات أو الخسائر.

اللافت أن التصعيد في مايو لم يتطور إلى مواجهة شاملة، ما جعل كثيرين يرجحون أن هناك عوامل متعددة أسهمت في خفض التوتر، وليس تهديدًا جمركيًا من ترامب فقط.

قراءة في المشهد: دعاية انتخابية أم حقيقة دبلوماسية؟

يرى مراقبون أن تصريحات ترامب تدخل في إطار حملة انتخابية مبكرة يحاول من خلالها إبراز دوره كرئيس “قوي وفعّال” في السياسة الخارجية، خاصة في مناطق النزاع مثل جنوب آسيا.

وقال الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس في صحيفة “واشنطن بوست”: “ترامب يبالغ دائمًا في دوره، هذه عادته. ولكن تقديمه على أنه صانع سلام بين دولتين نوويتين يبدو غير مدعوم بالوقائع”.

في المقابل، يقول مؤيدو ترامب إن تدخله –حتى لو لم يكن علنيًا– ساعد فعلاً في تخفيف التوتر، وإن تصريحاته تسلط الضوء على تجاهل الإعلام الأمريكي لإنجازاته الدولية.

لكن غياب الوثائق الرسمية، وعدم تأكيد أي جهة مستقلة لرواية ترامب، يجعل هذه الادعاءات محل شك واسع، ويطرح تساؤلات حول استخدامها كورقة ضغط انتخابية أكثر من كونها سياسة خارجية فعلية.

في ظل غياب الأدلة، تبقى تصريحات دونالد ترامب بشأن منع حرب بين الهند وباكستان موضع جدل واسع، بين من يراها مبالغة انتخابية، ومن يمنحها بعض المصداقية في سياق التأثير السياسي غير التقليدي الذي مارسه خلال ولايته.