نتنياهو وحماس.. نصران لا يلتقيان

مصطفى أمين يكتب

تم وقف إطلاق النار في غزة، والجميع في ذهول! أعني عامة الناس المتابعين للأحداث، الذين يتبادر إلى أذهانهم سؤال غريزي: من المهزوم؟ ومن المنتصر؛ نتنياهو أم حماس؟

بالنتيجة، صرنا أمام خطابين متوازيين في فرح الانتصار؛ كلا الطرفين يحتفل وكأن النصر قد حُسم لصالحه! لكننا، ونحن نصغي إلى خطاب الآخر، نشعر بالامتعاض والنفور، غير أن من واجبنا أن نستمع جيدا إلى خطاب “الآخر” كي نفهم لا كي نقرّ؛ فالفهم هو أول الطريق إلى وعي المفاهيم قبل الحكم عليها.

وهنا تبرز ضرورة مناقشة مفهوم النصر ذاته: ما النصر؟ وكيف نحدده في ضوء الواقع والنتائج؟

النصر لغة هو الظفر والغلبة على العدو، أما اصطلاحا فليس مجرد هزيمة الخصم عسكريا، بل هو تحقيق أهداف الحرب العقلانية. وهذه “العقلانية” تنقسم إلى شقين: الأول عقلانية الإجراءات، أي الوسائل والخطط التكتيكية للوصول إلى الهدف، والثاني عقلانية الغاية، أي مدى انسجام الهدف نفسه مع الواقع والمصير الإنساني الأشمل.

لا يمكن لقيادة سياسية أن تدّعي النصر حين تحدد هدفا لا يمكن قياسه أو تحقيقه، أو حين تنتهي الحرب ولا يتحقق منها سوى الدمار

من هذا المنطلق، يمكن القول إن نتنياهو حقق عقلانية الإجراءات، لكنه أخفق في عقلانية الغاية في حروبه على غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن؛ فقد كانت أهدافه مبهمة غير واقعية، تفتقر إلى سمات الأهداف الذكية (SMART)، وهي مجموعة معايير لصياغة الأهداف، تعني أن تكون محددة (Specific)، وقابلة للقياس (Measurable)، وقابلة للتحقيق (Achievable)، وواقعية (Realistic)، ومحددة بزمن (Time-bound).

بعبارة أخرى، لا يمكن لقيادة سياسية أن تدّعي النصر حين تحدد هدفا لا يمكن قياسه أو تحقيقه، أو حين تنتهي الحرب ولا يتحقق منها سوى الدمار.

في المقابل، تبدو حماس وكأنها حققت عقلانية الغاية أو الهدف، إذ ربطت نتائجها بخطاب المقاومة والاستمرار، لا بالحسم العسكري المباشر. ولسنا هنا بصدد تفصيل أهداف الطرفين، فذلك تناوله المحللون والكتّاب بإسهاب، لكن ما يعنينا أن الطرفين يتحدثان عن نصرين متمايزين، لا عن نصر واحد بطبيعة مشتركة.

في هذا السياق، يمكن إدخال تأمل فلسفي من التراث السياسي الغربي الحديث، بين النازية والصهيونية؛ فكلتاهما تقوم على عقلانية الأدوات لا عقلانية الغايات.

فقد أشار المفكر ماكس فيبر إلى هذا النمط من “العقلانية الأداتية”، التي تُعلي من شأن الوسائل على حساب القيم، وكتب أحد المفكرين العرب أن فاعلية الترشيد هنا تنصبّ على ضبط الوسائل والأدوات، لا على عدالة الأهداف.

فالمعتقلات النازية ومعسكرات الاعتقال الإسرائيلية تُدار وفق منهجية محسوبة ومؤسسية، لكنها تفتقر إلى القيمة الأخلاقية التي تبرر الفعل الإنساني. وبهذا يصبح الإنسان ذاته وسيلة لا غاية وهذا- كما يقول النص- هو الشكل المتطرف الذي تتخذه العقلانية الغربية حين تنفصل عن الضمير.

ومن هنا، فإن موقفنا من النصر ينبغي أن يكون ذا طابع إنساني وأخلاقي قبل أن يكون عقلانيا؛ فكل حرب يُقتل فيها المدنيون- كما في غزة- هي حرب غير عادلة وفق نظرية الحرب العادلة (Just War Theory)، التي طورها الفيلسوف مايكل والزر في العصر الحديث، وتنصّ هذه النظرية على أن الحرب لا تكون عادلة إلا إذا أُعطيت فيها حصانة المدنيين الأولوية القصوى.. وما جرى في هذه الحرب يناقض تماما هذا المبدأ.

الحفاظ على الإنسان ليس شعارا مثاليا، بل هو المعيار الأصدق للنصر؛ فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد القتلى أو حجم الدمار، بل بقدرتنا على أن نبقى بشرا رغم الحرب

أما الخطاب الذي يقول إن “100 ألف شهيد سقطوا، وسنعوضهم بإنجاب آخرين”، فهو خطاب يحوّل الإنسان إلى وقود للحرب، لا إلى غاية تُبنى لأجلها الحياة.

إن كل حرب تعلّمنا درسا واحدا على الأقل: أن نعيد النظر في الشق المدني والإنساني، وأن نبحث في كل السبل الممكنة لحماية الأبرياء؛ فالمدنيون ليسوا أدوات لخدمة القضية، بل هم جوهر القضية.

صحيح أن كل حرب لها ثمن باهظ، وهذا أمر لا جدال فيه، لكن الثمن العادل يجب أن يُدفع من قبل المقاتلين لا الأبرياء. وحتى نظرية الأضرار الجانبية (Doctrine of Double Effect)، التي طورها “توماس سي. شيلينغ”، ترى أن الأذى الذي يصيب المدنيين يمكن أن يُقبل فقط إن لم يكن مقصودا، وإن كان أقل ضررا من الخير المرجو تحقيقه (مع تحفظنا على النظرية). أما حين يصبح استهداف المدنيين جزءا من الخطة، فذلك يخرج من نطاق الضرر الجانبي إلى نطاق الجريمة.

إن هذا الرأي الإنساني لا ينبع من حقد أو كراهية أو تحامل، بل من حرقة على قيمنا الأخلاقية وعلى مواردنا البشرية، التي تُستنزف في دوامة الحرب.. الحفاظ على الإنسان ليس شعارا مثاليا، بل هو المعيار الأصدق للنصر؛ فالنصر الحقيقي لا يُقاس بعدد القتلى أو حجم الدمار، بل بقدرتنا على أن نبقى بشرا رغم الحرب.

# مصطفى أمين

المصدر: الجزيرة