نبتة (الانتحار ) القاتلة
د محمد علي يوسف يكتب
- dr-naga
- 28 يونيو، 2026
- حوارات ومقالات
- السموم, السموم العصبية, غابات أستراليا, نبتة (الانتحار ) القاتلة
في غابات أستراليا المطيرة، تنمو نبتة عجيبة تُعرف علمياً باسم “جيمبي جيمبي” (Gympie-Gympie).
هذه النبتة لها اسم آخر يختلف عن هذا الاسم العلمي الجاف..
“نبتة الانـ.تـ.حـ.ار”
سميت بذلك بسبب ما سُجل من حالات لخيول وحيوانات برية تعثرت بالنبتة وجُن جنونها فظلت تضرب رؤوسها في الصخور حتى الموت هرباً من جحيم الألم الذي سببته لهم تلك النبتة العجيبة..
وثمة روايات شهيرة عن ضباط أو مستكشفين أطلقوا النار على أنفسهم حين لمسوها بسبب الآلام الفظيعة التي سببتها لمسة
لأوراقها العريضة التي تبدو مخملية ناعمة وجميلة تستدرج المرء للمسها…
لكنها في الحقيقة فخ مرعب..
الأوراق مغطاة بملايين الإبر السليكونية الدقيقة التي تحقن بمجرد اللمس نوعاً فريداً من السموم العصبية يُدعى “جيمبياتيدز” (Gympietides)
سُمٌ مشابه لسموم العناكب يقوم بإغلاق قنوات معينة في الخلايا العصبية ويبقيها مفتوحة لإرسال إشارات ألم مستمرة
يوصف الألم الذي تسببه تلك السموم بأنه أشبه باحتراق بحمض الكبريتيك المركز مع صعق بالكهرباء في الوقت نفسه.
الألم يستمر لأسابيع وأحيانا يستمر لشهور، ويتجدد بقوة عند تعرض الجلد للماء أو تغير درجات الحرارة لأن الإبر تظل عالقة داخل الجلد و الحالات الشديدة لا تستجيب للمسكنات بل حتى لأنواع من المخدرات كالمورفين!
تصور أن مثل هذا النبات موجود في بيئة الأرض الهشة..
فإذا كانت الدنيا قد أخفت بين نباتاتها ورقةً واحدة تكفي لأن تجعل الحياة جحيما محققا والموت أمنية بعيدة فكيف بالشجرة التي نبتت في الجحيم نفسه؟
كيف بالشجرة التي لم تُخلق للظل، ولا للثمر، ولا لزينة الغابات ولكن خُلقت لتكون جزءًا من العذاب؟
سورة الصافات بعد أن عرضت روعة وجمال ما ينتظر المخلصين في الجنة تنتقل بك مباشرة إلى الضفة الأخرى وتأخذ بيدك لتطالع المشهد المخيف عبر أوراق مختلفة عن أي أوراق شجر سمعت بها..
لا يمكنك أن تتصور مقاربة بين غابات الأرض و غابات جهنم، وبين ألم صنعه مخلوق أرضي محدود القدرات وبين عذاب أعده الخالق لمن استحقه.
﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾.
العجيب أن عقول المشركين حين سمعت بشجرة الزقوم وقفت عند المقاربة الوهمية
لم يسألوا ما هي شجرة الزقوم ولا ماذا تفعل بالآكلين؟
لقد قالوا ساخرين: كيف تنبت شجرة في النار، والنار تأكل الشجر؟
وكأنهم ظنوا أن قوانين الدنيا تحكم الآخرة أيضًا ونسوا أن الذي خلق النار هو الذي أعطاها خاصية الإحراق، وأن من سنَّ القانون لا يعجزه أن يبدله.
لهذا لم يجعل القرآن الزقوم مجرد شجرة تلقى في الجحيم من خارجه..
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾.
هي ابنة الجحيم.
نبتت من بيئته، وتشربت من لهيبه واستمدت حقيقتها من النار نفسها، فلا تأكلها النيران، لأنها لم توجد رغمها…
لقد وجدت لها.
ولأن عذاب جهنم ليس مجرد ألم جسدي ولكن منظومة كاملة من الإذلال والرعب، فإنه يبدأ قبل أن تمس الشفاه ثمارها الملتهبة..
تبدأ من منظرها..
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
تأمل هذا التشبيه العجيب.
من منا رأى الشيطان أصلًا؟
لا أحد.
فكيف يشبه ثمر مجهول بشيء هو الآخر مجهول؟
الحق أن رأس الشيطان قد يكون مجهولا كتفصيل يقيني لكن ما إن تُذكر الكلمة حتى يرسم الخيال البشري دون اتفاق مسبق، صورة مشوهة قبيحة تنقبض لها النفس.
الشيطان هو رمز كل شر وقبح وخلل..
فكأن التشبيه يخاطب ذلك الرصيد الفطري المختبئ في أعماق الإنسان..
الرصيد الذي يربط الشيطان بكل ما هو دميم ومنفّر…
ومرعب.
لهذا لم يحتج القرآن إلى وصف تفصيلي لثمار الزقوم.
لم يخبرك بلونها، ولا حجمها، ولا شكل أشواكها.
كلمة واحدة كانت كافية لتترك الخيال يعذب صاحبه.
﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾.
ثم تبدأ أولى طبقات العذاب.
أن يجوع حتى يكاد الجوع يمزق أحشاءه، ثم يوضع أمامه طعام تستقذره روحه قبل أن تنفر منه عيناه.
إنها المعضلة التي يعرفها كل إنسان؛ قد يشتد بك الجوع، لكن ثمة أطعمة يعجز فمك عن الاقتراب منها مهما اشتدت حاجتك.
فكيف إذا كان المنظر نفسه جزءًا من العقوبة؟
كأن جهنم لا تكتفي بأن تؤلم الجسد ولكنها تحاصر الإنسان من كل الجهات والحواس والمشاعر..
تجعله يخاف قبل أن يأكل، ويشمئز قبل أن يذوق، ويعذب بخياله قبل أن يعذب بأحشائه.
ثم إذا أجبره الجوع على ابتلاع هذا الطعام الكريه… لم تنتهِ القصة بعد.
هناك يبدأ نوع آخر من العذاب، أشد وأبقى.
الزقوم ليس وجبةً سيئة المذاق فحسب، ولكنه بداية سلسلة لا تنتهي من الاحتراق والعذاب، كأن اللقمة نفسها تتحول داخل الجوف إلى وقود جديد للنار.
شجرة الزقوم لم تُخلق لتسد الجوع، وإنما لتجعل الجوع نفسه صورةً أخرى من صور العذاب.
في قاع الجحيم حين يُسلط عليهم ذلك الجوع الهستيري الكاسر الذي يعمي الأبصار ويشل التفكير، فيندفعون بشراهة نحو هذا القبح المسموم.. ﴿فَإِنَّهُمۡ لَـَٔاكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ﴾.
تخيل بطوناً تُحشى بالشوك الملتهب الذي يغلي في الأحشاء كالمُهل.
هذا الجوف الممزق سيصرخ طلباً للماء ليطفئ الحريق الداخلي، فتأتي الاستجابة التي تكمل الألم..
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَیۡهَا لَشَوۡبࣰا مِّنۡ حَمِیمࣲ﴾.
مزيج من صديد وماء بالغ الغليان، يُشرب على عطش جنوني، فيذيب ما تبقى من أمعاء.
ثم في النهاية، يرتد المشهد إلى حقيقته المغلقة
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِیمِ﴾.
إنهم لم يغادروا النار أصلاً حين ذهبوا للأكل والشرب..
لقد كانوا يتحركون في دائرة مغلقة من الألم… حيث يصير الجوع عذابا، والطعام عذابا، والشراب عذابا..
وما كانوا يظنونه محاولة للنجاة وسداً للرمق.. كان هو نفسه فصل الإعدام الجديد..
إعدامٌ لا يمنح نعمة النهاية، بل يعيد المرء حياً لتبدأ دائرة العذاب من الصفر.
وحيث لا يملك حتى رفاهية فقدان الوعي.
