مودي ونتنياهو.. تحالف يتجاوز حدود السياسة

في ظل استمرار الحرب على غزة

أثارت زيارة ناريندرا مودي إلى إسرائيل ولقاؤه المرتقب مع بنيامين نتنياهو موجة واسعة من الجدل السياسي، خاصة في ظل استمرار الحرب على غزة وتصاعد الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية. ولا يُنظر إلى هذه الزيارة باعتبارها خطوة دبلوماسية عابرة، بل كحلقة جديدة في مسار تقارب متسارع بين نيودلهي وتل أبيب خلال العقد الأخير، تقاربٌ يتداخل فيه البعد الأيديولوجي مع المصالح الأمنية والاستراتيجية.

رغم أن الهند اعترفت بإسرائيل في خمسينيات القرن الماضي، فإن العلاقات بقيت محدودة لسنوات طويلة بسبب التزام نيودلهي التاريخي بدعم القضية الفلسطينية واصطفافها ضمن حركة عدم الانحياز. التحول الحقيقي بدأ في تسعينيات القرن العشرين مع إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، لكنه بلغ مستوى غير مسبوق بعد وصول مودي إلى السلطة عام 2014.

فقد اتسمت سياسته الخارجية بقدر أكبر من البراغماتية والانفتاح على تحالفات جديدة، من بينها إسرائيل التي أصبحت شريكاً بارزاً في مجالات الدفاع والتكنولوجيا.

يرى عدد من الباحثين أن التقارب بين الرجلين لا يمكن فصله عن الخلفية الفكرية لكل منهما. فمودي يقود حزباً يستند إلى قومية هندوسية تضع الهوية الثقافية في صلب المشروع السياسي، بينما يقود نتنياهو تياراً قومياً يمينياً يركز على أمن الدولة وطابعها القومي.

البروفيسور كريستوف جافريلوت، المتخصص في الشأن الهندي، يشير إلى أن الخطاب القائم على الهوية والأمن المشدد خلق أرضية مشتركة بين القيادتين. كما يرى المحلل الإسرائيلي يوسي ميلمان أن صعود التيارات القومية في البلدين عزز لغة سياسية متشابهة في تعريف التهديدات ومقاربتها.

على المستوى العملي، يُعد التعاون العسكري حجر الزاوية في العلاقة. فإسرائيل من أبرز موردي السلاح للهند، بما في ذلك أنظمة دفاع جوي وطائرات مسيّرة وتقنيات مراقبة متطورة.

ويؤكد الخبير الدفاعي الهندي أجاي شوكلا أن الشراكة العسكرية بين البلدين “تقوم على احتياجات استراتيجية واضحة”، لكنها أصبحت في عهد مودي أكثر علنية وأقرب إلى التحالف السياسي. في المقابل، يحذر بعض الأكاديميين من أن الاندماج الوثيق في المنظومة الدفاعية الإسرائيلية قد يضعف صورة الهند التقليدية كداعم لحقوق الفلسطينيين.

ولا يقتصر التقارب على المجال الأمني. فقد توسعت العلاقات الاقتصادية لتشمل قطاعات التكنولوجيا الزراعية، وإدارة المياه، والابتكار الرقمي، والأمن السيبراني. وتعتبر الهند الخبرة الإسرائيلية في مجالات الريّ الحديث والزراعة الذكية رافداً مهماً لتطوير قطاعها الزراعي.

ويشير أستاذ العلاقات الدولية راجيش راجاغوبالان إلى أن الشراكة مع إسرائيل تمثل “استثماراً في المعرفة والتكنولوجيا أكثر من كونها مجرد صفقة سياسية”.

غير أن هذا المسار لا يخلو من انتقادات حادة داخل الهند نفسها. فقد اتهم حزب المؤتمر المعارض الحكومة بالتخلي عن الإرث الدبلوماسي الذي دعم طويلاً إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

ويرى المفكر والناشط الحقوقي هارش ماندر أن التقارب مع حكومة إسرائيل الحالية يبعث برسائل مقلقة بشأن التزام الهند بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، خاصة في ظل صور الدمار وسقوط المدنيين في غزة.

كما يخشى بعض المحللين من أن يؤثر الانحياز الواضح لإسرائيل في علاقات الهند مع الدول العربية، التي تمثل شريكاً اقتصادياً مهماً ومصدراً رئيسياً للطاقة وتحويلات العمالة.

العلاقة الشخصية بين مودي ونتنياهو لعبت بدورها دوراً لافتاً. فقد اتسمت لقاءاتهما بطابع ودي ورسائل دعم متبادلة، ما أعطى الانطباع بوجود انسجام يتجاوز الحسابات الرسمية. هذا التقارب الشخصي عزز صورة “الشراكة الخاصة”، لكنه في الوقت ذاته غذّى اتهامات المعارضة بوجود اصطفاف سياسي غير متوازن.

في المحصلة، تبدو العلاقة بين مودي ونتنياهو انعكاساً لتحول أوسع في السياسة الخارجية الهندية، من نهج قائم على التوازن الرمزي إلى مقاربة تركز على المصالح الأمنية والتكنولوجية المباشرة.

وبينما يرى مؤيدو هذا التوجه أنه يعزز مكانة الهند كقوة صاعدة تسعى لتنويع تحالفاتها، يعتبره منتقدوه مخاطرة قد تقوّض رصيداً دبلوماسياً تراكم على مدى عقود. وفي ظل استمرار التوترات في الشرق الأوسط، ستبقى هذه الشراكة موضع اختبار دائم بين ضرورات الاستراتيجية وحسابات الصورة الدولية.

كلمات مفتاحية: