من احتضار الأحزاب السياسية إلى أفول السياسة نفسها
الطاهر كردلاس يكتب
- dr-naga
- 23 أغسطس، 2025
- رأي وتحليلات
- الاحزاب السياسية, التصويت, الطاهر كردلاس, المواطن والسياسة
من كان يظن أن الأحزاب التي كانت تصنع التاريخ ستتحول إلى هياكل خاوية، تحرس أطلالها كما يحرس الليل جثث النجوم البعيدة؟ من كان يتخيل أن السياسة، التي كانت يوما فعلا أخلاقيا ومعنى جماعيا، ستصير مشهدا باردا بلا أفق، وخطابا يطفو على سطح واقع يزداد فراغا؟
نحن لا نعيش أزمة أحزاب فحسب، بل نقترب من لحظة أفول السياسة ذاتها، من زمن لم يعد فيه للحلم السياسي مكان، ولا للمشروع المجتمعي معنى، وكأننا أمام مسرح كبير انطفأت أضواؤه، بينما الممثلون ما زالوا يواصلون أداء أدوارهم في الظلام… لم يعد السؤال اليوم: هل انتهى دور الأحزاب؟ بل أصبح: هل انتهى معنى السياسة نفسها؟
الأزمة لم تعد في حجم الانخراط الحزبي أو نسب التصويت، بل في طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة.
نحن أمام جيل لا يقاطع الأحزاب لأنه يرى فسادها فقط، بل لأنه لم يعد يراها أصلا!
ما نراه في الواقع العربي ليس مجرد أزمة تنظيمية أو ضعفا في الأداء، بل هو تآكل جذري في البنية الرمزية التي تمنح السياسة شرعيتها. لقد دخلنا زمنا تفقد فيه السياسة أفقها، وتتحول فيه الأحزاب إلى أجسام بلا روح، تشتغل بمنطق إداري، بينما يتسرب من تحت أقدامها المعنى الذي وُجدت من أجله.
كانت الأحزاب يوما تجسيدا لفعل المقاومة، حاملة لأصوات المهمشين، ووسيطا تاريخيا بين الدولة والمجتمع، ومجالا لإنتاج الأفكار وصياغة المشاريع المجتمعية. أما اليوم، فقد غدت هياكل هلامية، يهيمن عليها منطق التموقع والمناورة، أكثر من انشغالها بصياغة الأفق أو بلورة البدائل.
لقد فقدت قدرتها على إشعال النقاش العمومي، أو التأثير في الوجدان الجماعي، وأصبحت أقرب إلى أرشيف سياسي، تُعرض فيه شعارات الماضي تحت غبار الحاضر.
الأزمة لم تعد في حجم الانخراط الحزبي أو نسب التصويت، بل في طبيعة العلاقة بين المواطن والسياسة. نحن أمام جيل لا يقاطع الأحزاب لأنه يرى فسادها فقط، بل لأنه لم يعد يراها أصلا! السياسة بالنسبة لكثير من الشباب فقدت قابلية التصور والحلم، وتحولت إلى فضاء مغلق، باهت، خاضع لآليات معروفة سلفا.
سقطت الأيديولوجيات التي كانت تمنح السياسة بعدها الأخلاقي والتاريخي، ولم يبقَ إلا تدبير اليومي، حيث تختفي القضايا الكبرى ليحل محلها التبرير المستمر للوضع القائم.
عندما تنقطع الصلة بين الأحزاب ومجتمعاتها، تتحول السياسة إلى مشهد تمثيلي بلا مضمون، يفتقد العمق والجرأة، ويعجز عن التقاط نبض الشارع أو حماية المصالح العامة
في ظل هذا الانحدار، لم يعد الحزب فاعلا مركزيا في إنتاج المعنى أو التأثير في الأحداث، بل مجرد ترس صغير في ماكينة تدير نفسها بذاتها، وتُفرغ الفعل السياسي من جوهره.
وعندما تنقطع الصلة بين الأحزاب ومجتمعاتها، تتحول السياسة إلى مشهد تمثيلي بلا مضمون، يفتقد العمق والجرأة، ويعجز عن التقاط نبض الشارع أو حماية المصالح العامة.
ولأن الفراغ لا يدوم، برزت منصات بديلة للتعبير عن القضايا، مثل شبكات التواصل الاجتماعي، التي لم تعد تحتاج إلى وسطاء، ولا تعترف بشرعية من لا يمتلك خطابا مؤثرا. وهكذا تراجعت السياسة من الفعل إلى التمثيل، ومن الحضور إلى الغياب، ومن صناعة التاريخ إلى التكيف مع مساره المفروض.
ومع ذلك، فإن هذا الأفول ليس أمرا محتوما؛ فالحاجة إلى الفعل الجماعي والتنظيم السياسي لا تموت، لكنها تتطلب إعادة اختراع جذري للسياسة والحزب معا.
الإصلاح الشكلي لن يجدي، والمطلوب هو لحظة نقد ذاتي حقيقية، تعيد مساءلة معنى الحزب وأفق السياسة، وتحررهما من أسْر البنية التقليدية، وتربطهما من جديد بمصالح الناس وأحلامهم.
الصمت لم يعد خيارا فإما أن نعيد للأحزاب روحها، وللسياسة شجاعتها، وللمجتمع حقه في الحلم، أو نترك هذا المسرح المظلم للممثلين الذين يواصلون لعب أدوارهم بلا جمهور
إن استعادة السياسة تبدأ بالاعتراف بأننا أمام أزمة وجود لا أزمة ظرف، وأن استعادة دور الأحزاب لن تتحقق إلا بإعادة بناء المعنى قبل بناء الهياكل.
وحدهما الشجاعة الفكرية والقدرة على زعزعة اليقينيات المألوفة يمكن أن تفتحا أفقا جديدا، يكون فيه العمل الحزبي فعلا أخلاقيا ومعرفيا وجماعيا، لا مجرد تقنية للبقاء في مشهد يزداد فراغا كل يوم.
إنني في مقالي هذا لست كمن يبكي على الأطلال، أو يتأسف على ماضٍ محزن، ولا كمن يحصي خرائب السياسة، بل أرغب أن أهز جدران الوهم التي تحاصر وعينا؛ فإما أن نستعيد السياسة كأفق للكرامة والحرية، أو نستسلم لفراغ يبتلع كل معنى.
إن الصمت لم يعد خيارا، والانتظار لم يعد فضيلة؛ فإما أن نعيد للأحزاب روحها، وللسياسة شجاعتها، وللمجتمع حقه في الحلم، أو نترك هذا المسرح المظلم للممثلين الذين يواصلون لعب أدوارهم بلا جمهور، حتى يسدل التاريخ ستار النسيان عليهم جميعا.